تستقصي هذه القراءة النقدية مبحثاً جمالياً استثنائياً اعتمده الفنان اللبناني الراحل جبران طرزي، متمثلاً في مشروعه الفني المبتكر حول الصناديق والمرايا الشرقية التي أنجزها في فترات متناوبة من مسيرته الإبداعية. ويرى الكثير من نقاد الفن المعاصر أن هناك قصوراً غير متعمد في تسليط الضوء على هذا الجانب التركيبي من أعمال طرزي، حيث انصبّ جلّ الاهتمام على لوحاته ذات الطابع التجريدي الهندسي، دون الالتفات الكافي إلى هذه التحف التي تدمج بعبقرية بين التراث الفني الشرقي والحداثة الغربية، لتشكل مزيجاً ساحراً من الحرفة والذوق التراثي الرفيع الذي يثير حساسية المشاهد البصرية والوجدانية.
الجذور العائلية وأثرها في تشكيل الصناديق والمرايا الشرقية
لم يكن توجه جبران طرزي نحو هذا الفن وليد الصدفة، بل يضرب بجذوره في عمق تاريخ عائلته العريقة التي اشتهرت تاريخياً بتمهين صناعة وتصميم “الديوان الدمشقي” والأسقف الخشبية والجدران المزخرفة بالنقوش والخطوط العربية الأصيلة. هذا الإرث العائلي الغني وفّر لطرزي خلفية بصرية وحرفية نادرة، مكّنته من فهم أسرار التعامل مع خامة الخشب وتطويعها. ومن هنا، انطلق الفنان في إعادة صياغة هذا الموروث برؤية معاصرة، مستعيناً بالهندسة الرياضية كأداة جمالية وشكلية لتقديم خيارات عقلية متقدمة تجدد الفن القديم وتمنحه روحاً حداثية تتجاوز مجرد التكرار الحرفي التقليدي.
البناء الهندسي والرمزية في الصناديق والمرايا الشرقية
تُعد أعمال الصناديق والمرايا في منظور محبي ومتذوقي الفن الشرقي إنجازاً فردياً استثنائياً استثمر فيه الفنان إشارات ومواضيع تعبيرية تلامس صميم الهوية العربية. وقد تميزت هذه الصناديق، بمختلف أشكالها المربعة والمستطيلة والمرايا العالية ذات الأحجام المتنوعة، بدقة قياساتها الهندسية وحساسية ألوانها المبهجة. لقد نجح طرزي في التحرر من قيد التقليد الحرفي الأعمى، لينتج قطعاً فنية تؤدي وظيفة عملية واجتماعية محددة، وفي الوقت ذاته تفرض حضوراً جمالياً وبنائياً فريداً. هذا التوازن الدقيق بين الشكل والوظيفة يعكس عمق الدلالة الرمزية والفضاء التصويري الذي اشتغل عليه الفنان، مدفوعاً بشغف حقيقي بالتراث الشرقي وتفاصيله الدقيقة.
التأثير الإقليمي والدولي لإرث جبران طرزي
تتجاوز أهمية تجربة جبران طرزي البعد المحلي اللبناني لتشكل علامة فارقة في المشهد الفني العربي والإقليمي. إن محاولته الجادة لتجديد الخطاب الفني من بوابة التراث الشرقي ساهمت في إعادة الاعتبار للفنون التقليدية والصناعات الحرفية في المنطقة العربية، معترفةً بها كجزء لا يتجزأ من مسار التطور الطبيعي للفن المعاصر. وتتجلى هذه الأهمية اليوم في الاهتمام المتزايد من قبل المتاحف والمعارض الدولية بأعماله التي تجمع بين أصالة الشرق وحرية التجريد الغربي. ولا تزال عائلة الفنان تحتفظ بمجموعة خاصة من هذه الصناديق والمرايا كجزء من تراثه الفني الخالد، الذي يثبت أن التبسيط في الفن وتوزيع الألوان بذكاء يمكن أن يخلقا لغة بصرية عالمية تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية.


