تعتبر الروائية والأكاديمية العمانية جوخة الحارثي واحدة من أبرز القامات الأدبية المعاصرة التي نجحت في إعادة رسم خارطة الأدب العربي على الساحة الدولية. فقبل عام 2019، ربما لم يكن الكثيرون خارج سلطنة عمان على دراية كاملة باسمها، ولكن بمجرد إعلان فوزها بجائزة “مان بوكر الدولية” المرموقة عن روايتها الشهيرة “سيدات القمر”، تحول اسم جوخة الحارثي إلى مرادف للإبداع الروائي المتجدد في منطقة الخليج العربي، وباتت محط أنظار كبرى وسائل الإعلام ودور النشر العالمية.
الخلفية التاريخية والنهضة الثقافية في سلطنة عمان
ولدت الكاتبة جوخة الحارثي ونشأت في ظل مرحلة تاريخية فارقة من تاريخ سلطنة عمان الحديث، وهي مرحلة النهضة والإصلاح الشامل التي قادها السلطان الراحل قابوس بن سعيد منذ عام 1970. هذه الفترة شهدت تحولات حضارية واجتماعية عميقة، حيث انتقل المجتمع العماني من سنوات العزلة والانغلاق إلى آفاق الانفتاح والتعليم الحديث. وقد انعكس هذا التحول التاريخي بشكل مباشر على تمكين المرأة العمانية ومنحها حقوقها الكاملة في التعليم العالي والعمل والإنتاج الأدبي، وهو ما أتاح لكاتبتنا فرصة الحصول على أرقى الدرجات العلمية، وصولاً إلى درجة الدكتوراه في الأدب العربي الكلاسيكي من جامعة أدنبرة في اسكتلندا عام 2007.
رواية “سيدات القمر” وتحدي الصور النمطية عن الشرق
تُرجمت رواية “سيدات القمر” إلى اللغة الإنجليزية بواسطة الأكاديمية الأمريكية مارلين بوث تحت عنوان “الأجرام السماوية” (Celestial Bodies). وقد أشادت لجنة تحكيم جائزة مان بوكر الدولية بالرواية، مؤكدة أنها “تتحدى الصور النمطية للشرق”. تقدم الرواية لمحة عميقة وغنية عن حياة الأسر العمانية، وتحديداً النساء، من خلال تتبع مسارات ثلاث شقيقات (ميا، وأسماء، وخولة) عشن مرحلة التحول الاجتماعي الكبرى في عمان. هذا النجاح الباهر دفع دور النشر العالمية للتزاحم على شراء حقوق الترجمة، لتُنشر الرواية بأكثر من 24 لغة حول العالم، وتتصدر قوائم الكتب الأكثر مبيعاً في الولايات المتحدة، وبريطانيا، وكندا، وأستراليا، والهند.
أهمية إنجاز جوخة الحارثي وتأثيره على الأدب العربي
يمثل فوز الكاتبة جوخة الحارثي بجائزة مان بوكر الدولية كأول شخصية عربية تحقق هذا الإنجاز، نقطة تحول جوهرية ذات أبعاد متعددة. محلياً، ساهم هذا الفوز في تسليط الضوء على الحراك الثقافي والأدبي الغني في سلطنة عمان، وأثبت قدرة المبدع العماني على المنافسة في المحافل الدولية. إقليمياً، أعاد الإنجاز الثقة للرواية الخليجية وقدرتها على تقديم مضامين إنسانية عميقة تتجاوز الحدود الجغرافية. أما دولياً، فقد فتح هذا الفوز الأبواب على مصراعيها أمام المترجمين ودور النشر العالمية للالتفات إلى الأدب العربي المعاصر وترجمة المزيد من الأعمال الإبداعية، مما يساهم في مد جسور التواصل الثقافي وتغيير الأفكار النمطية السائدة عن المجتمعات العربية والشرقية.
مسيرة حافلة بالعطاء والجوائز الأدبية
لم تقتصر المسيرة الإبداعية للأديبة جوخة الحارثي على رواية واحدة، بل يزخر رصيدها بالعديد من المؤلفات المتنوعة بين الروايات، والقصص القصيرة، وأدب الأطفال، والدراسات الأكاديمية. ومن أبرز رواياتها الأخرى “نارنجة” التي حازت على جائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب عام 2016، ورواية “حرير الغزالة”، ورواية “المنامات”. كما أصدرت في عام 2025 مجموعتها القصصية “ليل ينسى ودائعه” لتعود بها إلى فن القصة القصيرة الذي بدأت منه مسيرتها. وتؤكد الحارثي دائماً على أهمية الترجمة كبوابة للوصول إلى العالمية، معتبرة أن الترجمة فن مستقل يتطلب من الكاتب التخلي عن الاعتداد بلغته الأصلية ليسمح لعمله بالعيش بلغة وثقافة أخرى.


