تزامناً مع الاحتفاء باليوم العالمي للحصان، كشفت مكتبة الملك عبدالعزيز العامة بالرياض عن كنز تراثي فريد يتمثل في مخطوطة نادرة يعود تاريخ نسخها إلى عام 1115هـ (ما يقارب 333 عاماً مضت). تحمل هذه المخطوطة التاريخية عنوان «كتاب في معرفة سياسة الخيل»، وتعد وثيقة بالغة الأهمية تسلط الضوء على المعارف العربية العميقة في فراسة الخيل العربية الأصيلة، وطرق التعامل معها، وأساليب علاجها وتدريبها.
مكتبة الملك عبدالعزيز العامة وحفظ التراث العربي الفريد
لطالما ارتبطت الخيل العربية بالهوية الثقافية والاجتماعية للجزيرة العربية منذ العصور الجاهلية وحتى يومنا هذا. فالخيل لم تكن مجرد وسيلة للتنقل أو خوض الحروب، بل كانت رمزاً للشرف، والفروسية، والجمال. ويأتي الكشف عن هذه المخطوطة ليعزز الفهم التاريخي لكيفية تطور علوم البيطرة والفراسة عند العرب. وتنسب المخطوطة في متنها إلى “قنبر” مولى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وتذكر في مقدمتها أنها مروية عن الشاعر الجاهلي الشهير امرئ القيس، مما يمنحها بعداً أدبياً وتاريخياً مضاعفاً يربط بين صدر الإسلام والعصر الجاهلي.
تفاصيل فنية وجمالية من عبق التاريخ
تتألف المخطوطة النادرة من 39 ورقة (ما يعادل 78 صفحة)، وقد خطّها الناسخ محمد درويش في عام 1115هـ. وتتميز المخطوطة بأسلوبها الفني الراقي؛ حيث كُتبت النصوص بالمداد الأسود داخل إطارات وجداول حمراء متقنة، مع تمييز رؤوس الفقرات والعناوين باللون الأحمر، وهو أسلوب يعكس جماليات صناعة المخطوطات العربية وازدهار فن الخط والتدوين في ذلك العصر. وتبدأ المخطوطة بالبسملة والحمدلة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تلج مباشرة إلى علم الفراسة، مستعرضةً علامات الخيل الجيدة والرديئة، وأوصاف ألوانها، والتحجيل، والأنواع الأصيلة مثل “الكحيل”، بالإضافة إلى الدلالات المرتبطة بالخير والشر وفق الموروث الشعبي السائد آنذاك.
أبعاد ودلالات الكشف عن المخطوطة محلياً ودولياً
يحمل هذا الكشف التراثي أهمية كبرى على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. فمحلياً، يسهم في تعزيز الهوية الوطنية السعودية المرتبطة بالخيل العربية، والتي تحظى برعاية واهتمام ملكي مستمر. وإقليمياً ودولياً، تتيح هذه المخطوطة للباحثين والمؤرخين مادة علمية موثقة لدراسة أصول سلالات الخيل وتطور الطب البيطري التقليدي. وتضم المخطوطة أبواباً عملية بالغة الأهمية مثل “معرفة العلامات النافعة بالقياس”، و”ثلاثة في الخيل لا تركبهم”، بالإضافة إلى فصول مخصصة لعلاج أمراض الخيل الشائعة كالسعال، والأورام، والقروح، وبياض العين، وتنظيم الغذاء والعناية بالشعر.
ريادة ثقافية مستمرة في حفظ الموروث
لا يقتصر دور مكتبة الملك عبدالعزيز العامة على عرض هذه المخطوطة فحسب، بل تمتلك المكتبة أرشيفاً غنياً يضم مجموعة واسعة من المخطوطات الأصلية والمصورة المتخصصة في الفروسية والخيول. ومن أبرز هذه المقتنيات «رسالة في سياسة الخيل الجياد وأخبارها»، وكتاب «أجناس الخيل»، وكتاب «في خدمة سياسة الخيل»، و«أصول الخيل العربية». هذا التنوع المعرفي يرسخ مكانة المكتبة كمرجع دولي رائد للباحثين والمهتمين بإرث الفروسية العربية، ويسهم في حماية الذاكرة الثقافية للأمة من الاندثار.


