في خطوة دبلوماسية بالغة الأهمية، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التزام بلاده الكامل بدعم دولة سورية موحدة وذات سيادة كاملة على أراضيها. وجاء هذا الإعلان التاريخي بالتزامن مع زيارة ماكرون إلى سوريا ووصوله إلى العاصمة دمشق مساء اليوم الاثنين، في حدث يمثل نقطة تحول كبرى في مسار العلاقات الثنائية بين البلدين. وتعد هذه الزيارة الرسمية الأولى لزعيم دولة غربية كبرى منذ تولي الرئيس السوري أحمد الشرع مقاليد السلطة أواخر عام 2024، وذلك في أعقاب سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد وبداية مرحلة سياسية جديدة في البلاد.
من القطيعة إلى الانفتاح: السياق التاريخي للعلاقات السورية الفرنسية
تأتي هذه الخطوة الدبلوماسية لتنهي قطيعة دامت لأكثر من خمسة عشر عاماً بين باريس ودمشق. فمنذ آخر زيارة لرئيس فرنسي إلى العاصمة السورية، والتي قام بها الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي في عام 2009، شهدت العلاقات انهياراً تاماً إثر اندلاع الاحتجاجات الشعبية عام 2011 والقمع الدامي الذي مارسه النظام السابق، مما أغرق البلاد في نزاع مسلح مدمر أودى بحياة أكثر من نصف مليون شخص وهجّر الملايين. ومع طي صفحة النظام البائد وتأسيس عهد جديد بقيادة أحمد الشرع، تسارعت خطوات التقارب؛ حيث زار الرئيس الشرع باريس في السابع من مايو الماضي بدعوة من ماكرون، مما مهد الطريق لعودة الدبلوماسية النشطة والسعي الفرنسي لرفع العقوبات الأوروبية المفروضة على دمشق لدعم مرحلة إعادة الإعمار والاستقرار.
أجندة أمنية مشددة واستقبال رسمي في مطار دمشق
اتسمت الزيارة الحالية بإجراءات أمنية بالغة الدقة والتكتم الشديد؛ حيث حرص قصر الإليزيه على عدم الكشف عن توقيت وصول الطائرة الرئاسية إلا بعد هبوطها بالفعل في مطار دمشق الدولي، وهو ما أرجعته تقارير إعلامية غربية إلى دواعٍ أمنية احترازية فرضتها الظروف الانتقالية الحالية. وكان في استقبال الرئيس الفرنسي والوفد الرفيع المرافق له وزير الخارجية والمغتربين السوري أسعد الشيباني. وصرح ماكرون فور وصوله قائلاً: “أتيت لأؤكد التزام فرنسا بالوقوف إلى جانب الشعب السوري من أجل بناء سورية ذات سيادة وموحدة بتعدديتها، وتنعم بالسلام مع جيرانها، لنفتح معاً صفحة جديدة من الاستقرار”. وأكد الإليزيه أن الزيارة المستمرة حتى الثلاثاء تهدف إلى دعم سورية حرة وتعددية تحترم جميع مكوناتها.
أبعاد زيارة ماكرون إلى سوريا وتأثيرها الإقليمي والدولي
تحمل زيارة ماكرون إلى سوريا أبعاداً إستراتيجية تتجاوز الإطار الثنائي لتلقي بظلالها على المشهدين الإقليمي والدولي. محلياً، تساهم الزيارة في تعزيز شرعية العهد الجديد بقيادة أحمد الشرع وتمنح الشعب السوري بارقة أمل في كسر العزلة الدولية وبدء مرحلة التعافي الاقتصادي والسياسي. إقليمياً، تسعى فرنسا من خلال هذا التقارب إلى استعادة دورها الفاعل في الشرق الأوسط والمساهمة في تهدئة التوترات الإقليمية، لا سيما في ظل التغيرات الجيوسياسية المتسارعة. ودولياً، تمهد الخطوة الفرنسية الطريق أمام بقية الدول الغربية، بما في ذلك الولايات المتحدة تحت قيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لإعادة تقييم مواقفها تجاه دمشق، وصياغة مقاربات جديدة تدعم وحدة الأراضي السورية وتمنع عودة التنظيمات المتطرفة، مما يرسخ الشراكة المتكافئة والاحترام المتبادل بين دمشق والمجتمع الدولي.


