احتضن بيت الثقافة بالدمام مؤخراً جلسة حوارية بالغة الأهمية، سلطت الضوء على تحديات الإعلام في زمن الأزمات، وهو موضوع يكتسب أهمية متزايدة في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الإعلامي العالمي والمحلي. نظمت هذه الجلسة هيئة الصحفيين السعوديين بحاضرة الدمام، وشهدت حضوراً لافتاً من الإعلاميين والمهتمين بالشأن الإعلامي، مما يؤكد على الحاجة الملحة لمناقشة هذه القضايا الحيوية.
شارك في الجلسة نخبة من الإعلاميين البارزين، منهم الصحفي الأستاذ خالد الجناحي والصحافي التلفزيوني الأستاذ طارق المزهود، وأدارها بكفاءة نائب مدير فرع الهيئة بحاضرة الدمام الأستاذ ناصر الشهري. استعرض المتحدثان تجاربهما المهنية الغنية من الميدان، وتطرقا إلى أبرز التحديات التي تواجه العمل الإعلامي خلال الأزمات، بدءاً من ضرورة نقل الحقيقة بدقة وموضوعية، وصولاً إلى أهمية الموازنة الدقيقة بين سرعة النشر ودقته، وهي معضلة تتفاقم في عصر تدفق المعلومات الهائل.
كما ناقشت الجلسة المسؤولية الأخلاقية والمهنية للإعلامي في ظل تسارع تدفق المعلومات وانتشار الشائعات، التي يمكن أن تؤثر سلباً على الرأي العام وتزيد من تعقيد الأزمات. وفي هذا السياق، أوضح مدير فرع هيئة الصحفيين السعوديين بحاضرة الدمام الأستاذ فيصل بن سعيد الزهراني، أن هذه الجلسة تأتي ضمن جهود الهيئة المستمرة في تعزيز نشر المعرفة الإعلامية وتبادل الخبرات المهنية. وتهدف هذه الجهود إلى تطوير الممارسة الإعلامية ورفع مستوى الوعي لدى العاملين في القطاع والممارسين من مختلف القطاعات في المنطقة الشرقية، بما يضمن إعلاماً أكثر احترافية ومسؤولية.
المشهد الإعلامي المتغير: سياق تاريخي وتحديات معاصرة
لطالما كان الإعلام مرآة تعكس الواقع، لكنه اليوم أصبح لاعباً أساسياً في تشكيل هذا الواقع، خاصة في أوقات الأزمات. تاريخياً، تطور الإعلام من الصحافة المطبوعة والإذاعة والتلفزيون إلى عصر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، مما أحدث ثورة في طريقة تلقي الأخبار وتداولها. هذا التطور السريع، وإن كان قد منح الجمهور وصولاً غير مسبوق للمعلومات، إلا أنه فرض أيضاً تحديات جسيمة على الإعلاميين. ففي الماضي، كانت مصادر الأخبار محدودة نسبياً وموثوقيتها أعلى، بينما اليوم يواجه الإعلامي سيلاً من المعلومات غير المفلترة، مما يجعل مهمة التحقق من الحقائق أكثر صعوبة وتعقيداً. هذه البيئة الجديدة تضع ضغوطاً هائلة على المؤسسات الإعلامية لتقديم محتوى دقيق وموثوق، مع الحفاظ على سرعة الاستجابة للأحداث المتلاحقة.
تعزيز المصداقية: استجابة لـ تحديات الإعلام في زمن الأزمات
تناولت الجلسة عدة محاور جوهرية، من أبرزها تأثير المنصات الرقمية على صناعة القرار الإعلامي، وحدود الشفافية المطلوبة في أوقات الأزمات، إضافة إلى التحديات المرتبطة بالمصداقية في ظل تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي. هذه التقنيات، رغم إمكانياتها الهائلة، تثير مخاوف جدية بشأن انتشار الأخبار المزيفة والتلاعب بالصور والفيديوهات، مما يزيد من تعقيد المشهد الإعلامي. إن أهمية هذه الجلسات الحوارية تكمن في كونها توفر منصة لتبادل الخبرات وتطوير استراتيجيات لمواجهة هذه التحديات، ليس فقط على المستوى المحلي في المنطقة الشرقية، بل تمتد آثارها لتشمل المشهد الإعلامي الإقليمي والدولي. فتعزيز ثقافة التحقق والتدقيق، وتطوير مهارات الإعلاميين في استخدام الأدوات الرقمية بمسؤولية، أصبح أمراً حتمياً للحفاظ على ثقة الجمهور.
بناء جسور الثقة: مستقبل الإعلام في بيئة متغيرة
شهدت الجلسة تفاعلاً كبيراً من الحضور، الذين طرحوا عدداً من الأسئلة المحورية حول مستقبل الإعلام، وآليات تعزيز الثقة بين وسائل الإعلام والجمهور في بيئة إعلامية متغيرة باستمرار. هذا التفاعل يعكس الوعي المتزايد بأهمية دور الإعلام في تشكيل الوعي المجتمعي، خاصة في أوقات الأزمات التي تتطلب أعلى درجات المهنية والمسؤولية. إن مثل هذه المبادرات التي تنظمها هيئة الصحفيين السعوديين في بيوت الثقافة، لا تقتصر على رفع كفاءة الإعلاميين فحسب، بل تسهم أيضاً في بناء مجتمع إعلامي أكثر وعياً وقدرة على التمييز بين الحقيقة والشائعة، مما يعزز من صمود المجتمع في وجه التحديات المختلفة.


