في مشهد درامي تجاوز حدود الشاشة الفضية، تحولت واقعة منع مواطنين من دخول إحدى دور السينما الفاخرة بسبب ارتدائهم الجلباب الصعيدي إلى قضية رأي عام، أشعلت منصات التواصل الاجتماعي وأعادت إلى الواجهة نقاشات الهوية والطبقية الثقافية. لكن هذه الأزمة لم تدم طويلاً قبل أن يتدخل الفنان محمد رمضان، ليحول الموقف من إهانة رمز ثقافي إلى احتفالية شعبية وفنية أعادت الاعتبار لزي مصري أصيل ولأهالي الصعيد الكرام.
بدأت القصة عندما قام صانع المحتوى محمد المطاعني بنشر مقطع فيديو يروي فيه تفاصيل منعه هو ومجموعة من أصدقائه، من بينهم رجل مسن يُدعى “عم خريش”، من دخول دار عرض سينمائي في فندق شهير بقلب القاهرة لمشاهدة فيلم “أسد”. الحجة التي قدمها أمن المكان كانت صادمة: “الجلباب الصعيدي غير مسموح به”. خلال دقائق، انتشر الفيديو كالنار في الهشيم، وأطلق النشطاء وسماً بعنوان “#الجلباب_الصعيدي_شرف”، معبرين عن غضبهم العارم من هذا التصرف الذي اعتبروه تمييزاً عنصرياً وإهانة لتراث يمثل جزءاً لا يتجزأ من الهوية المصرية.
الجلباب الصعيدي: رمز للهوية يتجاوز حدود الزمان
لم تكن ردة الفعل الغاضبة مجرد دفاع عن قطعة ملابس، بل كانت دفاعاً عن تاريخ وثقافة بأكملها. فالجلباب في صعيد مصر ليس مجرد زي تقليدي، بل هو رمز للرجولة والوقار والأصالة، وهو جزء من النسيج الاجتماعي الذي يمتد لآلاف السنين. إن ارتباط هذا الزي بأهل الصعيد، المعروفين بالكرم والشهامة، يجعله أيقونة ثقافية تحمل في طياتها قيم المجتمع. وبالتالي، فإن منعه في مكان عام داخل العاصمة المصرية يُقرأ على أنه فعل إقصاء طبقي وثقافي، وفصل تعسفي بين مكونات المجتمع الواحد، وهو ما أثار حفيظة الملايين الذين رأوا في الواقعة مساساً بكرامتهم.
محمد رمضان يحول الأزمة إلى انتصار
أمام هذا الغضب الشعبي، لم يقف الفنان محمد رمضان، بطل فيلم “أسد”، مكتوف الأيدي. فبصفته فناناً بنى جزءاً كبيراً من نجوميته على تجسيد شخصيات من الطبقات الشعبية والصعيدية، أدرك رمضان أبعاد الأزمة. تحرك سريعاً على عدة جبهات، حيث وجه رسالة مباشرة إلى وزيرة الثقافة المصرية، مطالباً باعتذار رسمي، ومؤكداً أن ما حدث يسيء لكل مصري. لم يكتفِ بالكلمات، بل أطلق دعوة مفتوحة لجمهوره لحضور عروض أفلامه مرتدين الجلباب، في تحدٍ رمزي لأي محاولة للنيل من هذا الزي. وكانت الخطوة الأقوى هي تواصله المباشر مع أصحاب الواقعة، ودعوتهم لحضور عرض خاص للفيلم في نفس السينما التي مُنعوا منها. الصورة التي جمعت رمضان مع “عم خريش” والمطاعني وأصدقائه داخل قاعة السينما، وهم يرتدون جلبابهم بفخر، كانت بمثابة رد اعتبار علني ورسالة قوية بأن الفن والثقافة للجميع، وأن الهوية المصرية لا يمكن حصرها في قوالب ضيقة. وقد تزامن هذا الموقف الإنساني مع نجاح كاسح لفيلمه في شباك التذاكر، مما يعكس التفاف الجمهور حول رسالته.


