في تصريح أعاد إشعال الجدل السياسي، وجه الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما انتقادات حادة لخليفته دونالد ترامب، مدافعاً بشراسة عن إرثه الدبلوماسي المتمثل في الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015. فبعد سنوات من الصمت النسبي، كسر أوباما حاجز التحفظ ليؤكد أن نهجه الدبلوماسي نجح في تحقيق ما عجزت عنه سياسات المواجهة، ملخصاً فلسفته في عبارة قوية أثارت ضجة واسعة: “لم نضطر لقتل عدد كبير من الناس، ولم نغلق مضيق هرمز”.
جاءت كلمات أوباما لتذكر العالم بالمسار المختلف الذي كانت تسلكه السياسة الخارجية الأمريكية تجاه طهران، حيث نجحت إدارته، بالتعاون مع القوى العالمية، في التوصل إلى حل دبلوماسي معقد بعد مفاوضات شاقة. وأكد أوباما أن الاتفاق لم يكن مجرد وثيقة سياسية، بل كان إنجازاً استراتيجياً أدى إلى تفكيك ما يقارب 97% من مخزون إيران من اليورانيوم المخصب وأخضع منشآتها لرقابة دولية صارمة، كل ذلك “دون إطلاق صاروخ واحد”.
إرث دبلوماسي في مواجهة “الضغط الأقصى”
يعود تاريخ الاتفاق النووي الإيراني، المعروف رسمياً باسم “خطة العمل الشاملة المشتركة” (JCPOA)، إلى عام 2015، حيث توج سنوات من الجهود الدبلوماسية بين إيران ومجموعة دول (5+1) التي تضم الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والصين وروسيا بالإضافة إلى ألمانيا. كان الهدف الأساسي هو منع إيران من تطوير أسلحة نووية مقابل رفع تدريجي للعقوبات الاقتصادية الخانقة المفروضة عليها، وهو ما اعتبره الكثيرون انتصاراً للدبلوماسية الوقائية وتجنباً لمواجهة عسكرية كانت تلوح في الأفق.
لكن هذا المشهد تغير جذرياً مع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، الذي لم يخفِ معارضته الشديدة للاتفاق واصفاً إياه بـ”أسوأ صفقة في التاريخ”. وفي عام 2018، أعلن ترامب انسحاب الولايات المتحدة من جانب واحد من الاتفاق، معيداً فرض عقوبات اقتصادية قاسية ضمن سياسة أطلق عليها “الضغط الأقصى”، بهدف إجبار طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط أمريكية أكثر صرامة تشمل برنامجها الصاروخي ونفوذها الإقليمي.
لماذا انسحب ترامب؟ دوافع شخصية أم استراتيجية؟
لم يكتفِ أوباما بالدفاع عن الجدوى الفنية للاتفاق، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، ملمحاً بتهكم إلى أن قرار ترامب لم يكن مبنياً على تقييم موضوعي لفشل الاتفاق، بل كان مدفوعاً باعتبارات شخصية بحتة. وقال أوباما إن ترامب مزق الاتفاق لسبب واحد فقط: “لأن أوباما هو من وقعه”. هذا الاتهام المبطن يسلط الضوء على رؤية ترى أن سياسات ترامب كانت في كثير من الأحيان تهدف إلى محو إرث سلفه، حتى لو كان ذلك على حساب مصالح استراتيجية طويلة الأمد للولايات المتحدة وحلفائها.
وقد أدى الانسحاب الأمريكي بالفعل إلى انهيار التفاهم الدولي، ودفع إيران إلى التراجع تدريجياً عن التزاماتها النووية، مما زاد من تخصيب اليورانيوم إلى مستويات غير مسبوقة وأعاد شبح السباق نحو التسلح النووي إلى المنطقة. كما شهدت منطقة الخليج تصعيداً خطيراً، شمل هجمات على ناقلات نفط ومنشآت حيوية، ووضع المنطقة بأكملها على حافة مواجهة عسكرية مباشرة في أكثر من مناسبة، وهو بالضبط السيناريو الذي نجح الاتفاق الأصلي في تجنبه.
في النهاية، تبقى كلمات أوباما بمثابة شهادة على رؤيتين متناقضتين للسياسة الخارجية، بين من يرى في الدبلوماسية والتفاهمات متعددة الأطراف الطريق لتحقيق الأمن، ومن يؤمن بأن القوة والضغط الأحادي هما السبيل الوحيد لفرض الإرادة. وبينما يرى أنصار أوباما في كلامه “شهادة حق” في زمن ضاعت فيه الفرص، يصر منتقدوه على أن الاتفاق منح إيران الموارد لتعزيز نفوذها المزعزع للاستقرار في الشرق الأوسط، ليبقى الجدل مفتوحاً حول أي الطريقين كان الأصوب.


