أعلنت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية عن تسلمها 34 صندوقاً تحتوي على وثائق بالغة السرية قدمتها السلطات السورية الحالية، والتي تخضع في الوقت الراهن لعمليات تحليل ودراسة دقيقة ومكثفة. وتأتي هذه الخطوة لتفتح فصلاً جديداً من التحقيقات الدولية حول ملف الأسلحة الكيميائية في سوريا، وسط ترحيب أممي واسع بالتعاون المستمر الذي تبديه الحكومة الانتقالية في دمشق للكشف عن الترسانة الكيميائية التي طالما شكلت تهديداً كبيراً للأمن والسلم الدوليين.
تفاصيل التحقيقات الجارية حول الأسلحة الكيميائية في سوريا
خلال جلسة خاصة عقدها مجلس الأمن الدولي لبحث هذا الملف الشائك، رحبت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة والممثلة السامية لشؤون نزع السلاح، إيزومي ناكاميتسو، بالخطوات الإيجابية والشجاعة التي اتخذتها السلطات السورية بالتعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية. وأوضحت ناكاميتسو أن وفداً فنياً من المنظمة زار مؤخراً عدة مواقع استراتيجية داخل الأراضي السورية، حيث تم العثور على مواد ومكونات كيميائية تطابق تماماً تلك التي استخدمها نظام الأسد السابق في هجمات كيميائية استهدفت مناطق مختلفة من البلاد.
وفي سياق متصل، أثنى مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة، إبراهيم العلبي، على الدول التي دعمت الشعب السوري، مؤكداً التزام بلاده الكامل باتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، ومشيراً إلى أن دمشق تسعى اليوم للعب دور إيجابي يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي من خلال التخلص النهائي من بقايا هذا البرنامج السري.
خلفية تاريخية: مسار الترسانة الكيميائية السورية المظلم
يعود تاريخ ملف الأسلحة الكيميائية في سوريا إلى عقود مضت، إلا أنه تصدر المشهد الدولي بقوة عقب اندلاع الثورة السورية عام 2011. ورغم انضمام النظام السوري السابق إلى اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية في عام 2013 بضغط دولي عقب هجوم الغوطة الشهير، إلا أن الشكوك والتقارير الدولية استمرت في تأكيد احتفاظ النظام بمخزونات سرية ومواصلة استخدامها في هجمات لاحقة مثل هجوم خان شيخون عام 2017 وهجوم دوما عام 2018.
وتأتي التطورات الأخيرة بعد سقوط نظام بشار الأسد، مما أتاح للسلطات الجديدة والفرق الدولية الوصول إلى وثائق ومواقع كانت مغلقة ومحاطة بسرية تامة لسنوات طويلة، لتكشف زيف الإعلانات السابقة للنظام بشأن تدمير كامل ترسانته الكيميائية، وهو ما أكدته المنظمة أواخر مايو الماضي بعثورها على عشرات الأسلحة الكيميائية غير المصرح بها في مناطق الساحل والوسط السوري.
تداعيات الكشف عن الوثائق وملاحقة المتورطين
على الصعيد العملي، كشف محمد قطوب، المندوب السوري الدائم لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي، عن اعتقال السلطات السورية لـ 18 شخصاً يشتبه في تورطهم المباشر في إدارة وتطوير برنامج الأسد للأسلحة الكيميائية. وتضم قائمة المعتقلين مسؤولين عسكريين برتب رفيعة (من بينهم ضباط برتبة لواء)، وسياسيين وفنيين كبار، من بينهم 4 شخصيات مدرجة بالفعل على قوائم العقوبات الأمريكية والبريطانية والأوروبية.
إن الكشف عن هذه الصناديق الـ 34 والتحقيق مع هؤلاء المسؤولين يحمل أهمية بالغة على عدة مستويات؛ فمحلياً، يمثل خطوة حاسمة نحو تحقيق العدالة الانتقالية ومحاسبة الجناة وإنصاف الضحايا الذين عانوا من ويلات الهجمات الكيميائية. وإقليمياً ودولياً، يسهم هذا التطور في تأمين المواد الخطرة ومنع وقوعها في أيدي جماعات متطرفة، فضلاً عن كونه يعزز مصداقية آليات المحاسبة الدولية ويرسل رسالة صارمة ضد استخدام أسلحة الدمار الشامل في أي نزاع مستقبلي.


