في خطوة تعكس عمق التحولات على الساحة الدولية، جدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جين بينغ في بكين، دعوتهما المشتركة لتأسيس نظام عالمي متعدد الأقطاب، مؤكدين على ضرورة إقامة علاقات دولية أكثر عدالة وديمقراطية. يأتي هذا الإعلان في ختام قمة ثنائية وُصفت بالاستراتيجية، وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية العالمية، لا سيما الحرب المستمرة في أوكرانيا والصراعات في الشرق الأوسط، مما يمنح هذا التحرك أهمية خاصة في سياق إعادة تشكيل موازين القوى العالمية.
شراكة استراتيجية في مواجهة الهيمنة الغربية
لا تعد الدعوة إلى عالم متعدد الأقطاب فكرة جديدة، بل هي حجر الزاوية في السياسة الخارجية لكل من موسكو وبكين منذ عقود، كبديل للنظام أحادي القطب الذي ساد بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وهيمنة الولايات المتحدة. لكن هذه الدعوة اكتسبت زخماً غير مسبوق في السنوات الأخيرة، وتحديداً بعد إعلان الشراكة “بلا حدود” بين البلدين في أوائل عام 2022. وقد أدت العقوبات الغربية الواسعة المفروضة على روسيا إلى تسريع تقاربها مع الصين، التي أصبحت شريان حياة اقتصاديًا ودبلوماسيًا حيويًا لموسكو، مما سمح لها بتخفيف آثار العزلة الدولية.
أبعاد اقتصادية ودبلوماسية لقمة بكين
لم تقتصر القمة على الخطاب السياسي، بل شهدت توقيع سلسلة واسعة من الاتفاقيات الثنائية التي تهدف إلى تعميق التعاون في مجالات حيوية. وذكر الكرملين أن الزعيمين أشرفا على توقيع نحو 20 اتفاقية مباشرة، بالإضافة إلى 20 اتفاقية أخرى تم إبرامها بشكل منفصل، تشمل قطاعات الطاقة والتجارة والتنسيق السياسي. وتعتبر مشاريع الطاقة، مثل خط أنابيب الغاز “قوة سيبيريا 2” المقترح، محورًا أساسيًا في هذه الشراكة، حيث تسعى روسيا لتوجيه صادراتها من الطاقة شرقًا بعيدًا عن الأسواق الأوروبية. من جانبه، وصف بوتين المحادثات بأنها كانت “جوهرية ومثمرة”، مشددًا على أن العلاقات الروسية الصينية تمثل “نموذجًا يحتذى به” في التعاون الدولي القائم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
تأثيرات إقليمية ودولية متوقعة
يحمل هذا التقارب المتزايد بين القوتين النوويتين تداعيات كبيرة على الصعيدين الإقليمي والدولي. فعلى المستوى العالمي، يسعى البلدان إلى تعزيز دور المنصات الدولية البديلة التي لا تخضع للهيمنة الغربية، مثل مجموعة “بريكس” ومنظمة شنغهاي للتعاون، كأدوات رئيسية لبناء نظام عالمي متعدد الأقطاب. أما إقليميًا، فتقدم الصين غطاءً دبلوماسيًا واقتصاديًا لروسيا في حربها بأوكرانيا، بينما تدعم موسكو موقف بكين في القضايا المتعلقة بتايوان وبحر الصين الجنوبي. هذا التنسيق يظهر جليًا في مجلس الأمن الدولي، حيث غالبًا ما يتخذ البلدان مواقف موحدة تعارض المبادرات التي تقودها الولايات المتحدة وحلفاؤها، مما يعزز من نفوذهما المشترك في إدارة الأزمات الدولية.


