انشقاقات الدعم السريع تتصاعد: «السافنا» ينضم للجيش السوداني بعد «النور القبة»
بعد أيام قليلة من انضمام القائد العسكري النور القبة إلى الجيش السوداني، كشفت مصادر عسكرية سودانية أن القائد الميداني في قوات الدعم السريع، علي رزق الله المعروف باسم «السافنا»، انشق برفقة قواته وانضم إلى القوات المسلحة السودانية. هذه التطورات تأتي ضمن موجة متصاعدة من انشقاقات الدعم السريع التي قد تحمل دلالات مهمة على مسار الصراع الدائر في البلاد، وتؤشر إلى تحولات محتملة في موازين القوى.
السياق التاريخي لصراع السودان وتشكيل الدعم السريع
لفهم أبعاد هذه الانشقاقات، لا بد من استعراض السياق الأوسع للصراع السوداني. تعود جذور قوات الدعم السريع إلى ميليشيات الجنجويد التي برزت في دارفور خلال الألفية الجديدة، قبل أن يتم دمجها وتطويرها كقوات شبه عسكرية تحت قيادة الرئيس السابق عمر البشير. كان الهدف المعلن لهذه القوات هو حماية الحدود ومكافحة التمرد، لكنها اكتسبت نفوذاً سياسياً وعسكرياً متزايداً، لتصبح لاعباً رئيسياً في المشهد السوداني. اندلعت الحرب الحالية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في منتصف أبريل 2023، محولة العاصمة الخرطوم ومناطق أخرى إلى ساحات قتال، ومخلفة دماراً واسعاً وأزمة إنسانية غير مسبوقة. في هذا المناخ المتوتر، تكتسب تحولات الولاءات أهمية استراتيجية بالغة، حيث يمكن أن تؤثر بشكل مباشر على ديناميكيات الصراع وتوجهاته المستقبلية.
«السافنا»: مسيرة قائد ميداني متقلبة وولاءات متغيرة
يُعد «السافنا» من قبيلة الرزيقات (فرع المحاميد)، ويُصنف من أبرز الموالين للزعيم القبلي وقائد «مجلس الصحوة الثوري» موسى هلال، القائد التاريخي لقوات حرس الحدود. ظهر اسم السافنا خلال السنوات الماضية ضمن الحركات المسلحة التي تنقلت بين التمرد واتفاقيات السلام المتعددة في غرب السودان. بدأ السافنا مساره المسلح عام 2005 بالانضمام إلى حركة «تحرير السودان للعدالة» بقيادة علي كربينو، قبل أن ينشق عنها ويوقع اتفاقاً مع الحكومة السودانية عام 2013. بموجب هذا الاتفاق، تم استيعابه في الجيش برتبة ضابط ضمن الفرقة 20 مشاة. لكن هذا المسار لم يستمر طويلاً، إذ عاد إلى التمرد عام 2016 بعد خلافات داخلية وسلسلة اشتباكات في شرق دارفور، سقط خلالها نائبه خريف، وما تلاها من هجمات على مواقع حكومية. شارك السافنا في مسار «الحوار الوطني» خلال عهد الرئيس السابق عمر البشير عام 2017، قبل أن يعلن تمرده مجدداً وينضم إلى «مجلس الصحوة الثوري» بقيادة موسى هلال، الذي كان في خلاف مع الحكومة آنذاك. في نوفمبر 2017، قُبض على السافنا خلال اشتباكات في شمال دارفور، ليبدأ بعدها مساراً قضائياً وعسكرياً انتهى بإدانته في تهم مختلفة، منها القتل العمد والعصيان العسكري، إضافة إلى الهروب من الخدمة. أسقطت المحكمة العسكرية معظم التهم بسبب عدم كفاية الأدلة، واكتفت بعقوبة مرتبطة بالخدمة العسكرية انتهت بإطلاق سراحه بعد نحو 4 سنوات في السجن. ومع اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في منتصف أبريل 2023، عاد السافنا للظهور من جديد، وانخرط في القتال إلى جانب قوات الدعم السريع، ليصبح أحد أبرز قادتها الميدانيين قبل أن يعلن انشقاقه الأخير.
دلالات انشقاقات الدعم السريع وتأثيرها على مسار الحرب
تكتسب انشقاقات الدعم السريع، مثل انضمام السافنا والنور القبة إلى الجيش، أهمية استراتيجية كبيرة. يُعد النور القبة من كبار القادة العسكريين في قوات الدعم السريع، ويصفه البعض بأنه الثالث في الهرم القيادي العسكري. وقد رحب رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان، بانضمام النور القبة إلى صفوف القوات المسلحة، قائلاً إن «الأبواب مشرعة أمام كل من يريد إلقاء السلاح والانضمام لمسيرة البناء الوطني». هذه الانشقاقات لا تمثل مجرد خسارة عددية لقوات الدعم السريع، بل هي ضربة لمعنويات مقاتليها وتماسك هيكلها القيادي. انضمام قادة ميدانيين بارزين يعني أن الجيش السوداني قد يكسب معلومات استخباراتية قيمة حول مواقع الدعم السريع وخططها وتكتيكاتها، مما قد يغير موازين القوى على الأرض. كما أنها تمثل انتصاراً دعائياً للجيش، حيث تُظهر أن هناك شرخاً داخلياً في صفوف خصمه، وتشجع المزيد من العناصر على الانشقاق، خاصة تلك التي قد تكون مرتبطة بقادة منشقين عبر الروابط القبلية أو الولاءات الشخصية، مما يهدد بتفكك تدريجي لوحدات الدعم السريع.
تداعيات الانشقاقات على المشهد السوداني والإقليمي
تتجاوز تداعيات هذه الانشقاقات التأثير المباشر على ساحة المعركة. فعلى الصعيد المحلي، يمكن أن تؤدي إلى مزيد من التشرذم داخل قوات الدعم السريع، خاصة إذا ما استمرت هذه الموجة وتوسعت لتشمل قادة آخرين. هذا قد يضعف قدرة الدعم السريع على الحفاظ على سيطرتها في المناطق التي تسيطر عليها حالياً، ويفتح الباب أمام الجيش لاستعادة زمام المبادرة. إقليمياً ودولياً، قد تُنظر هذه التحولات كإشارة على ضعف متزايد في موقف قوات الدعم السريع، مما قد يؤثر على الدعم الذي تتلقاه من بعض الجهات، أو يدفع الأطراف الدولية إلى إعادة تقييم استراتيجياتها للتعامل مع الصراع السوداني. إنها لحظة فارقة قد تعيد تشكيل التحالفات وتؤثر على مستقبل السودان السياسي والعسكري، وتزيد من الضغوط على قيادة الدعم السريع لإعادة النظر في استراتيجياتها.


