spot_img

ذات صلة

رحيل الشاعر صادق الصائغ: وداع أيقونة الشعر السريالي العراقي

ودعت الساحة الثقافية العربية والعراقية، أمس، قامة شعرية فريدة، برحيل الشاعر العراقي صادق الصائغ، رائد القصيدة السريالية، الذي وافته المنية في لندن بعد صراع مع المرض. خلف الصائغ إرثاً أدبياً وفنياً غنياً، تاركاً بصمة لا تُمحى في تاريخ الشعر العربي الحديث، ومُحدثاً ثورة في أساليب التعبير الشعري عبر منهجه التجريبي المتفرد. وقد نعى الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، وعدد من المؤسسات الثقافية والشخصيات الأدبية، هذه الخسارة الفادحة، مؤكدين على مكانته كأحد أبرز الأصوات التي شكلت وجدان القصيدة المعاصرة.

تُعد السريالية، التي ظهرت في أوروبا أوائل القرن العشرين، حركة فنية وأدبية ركزت على إطلاق العنان للعقل الباطن والأحلام، متجاوزةً قيود المنطق والواقع. وفي العالم العربي، وجدت هذه الحركة صدى لدى عدد من المبدعين الذين سعوا إلى التجديد وكسر القوالب التقليدية، ليعبروا عن واقعهم المعقد بطرق غير مألوفة. في هذا السياق، برز صادق الصائغ كأحد أبرز روادها، حيث استلهم مبادئها ليصوغ تجربة شعرية خاصة به، تمزج بين العمق الفلسفي والجمالية البصرية، وتفتح آفاقاً جديدة أمام القارئ العربي.

مسيرة حافلة بالإبداع والتجريب

وُلد الصائغ عام 1947، وشق طريقه في دراسة الفقه والتاريخ والأدب العربي، لكنه سرعان ما رسم لنفسه مساراً فنياً خاصاً اتسم بالتدخل والتجريب. كان الصائغ فناناً متعدد المواهب، فهو لم يكن شاعراً فحسب، بل رساماً وخطاطاً وكاتباً مسرحياً، مما أثرى تجربته الشعرية ومنحها أبعاداً بصرية وفلسفية عميقة. رفض الانتماء لتيارات بعينها، مفضلاً السير بمحاذاة النهر، متفادياً إغراءات الطغيان الفني أو الفكري. هذا الاستقلال الفكري والفني جعله شخصية محورية في المشهد الثقافي العراقي، حيث كان صوته يمثل تحدياً للجمود والتقليد، ودعوة مستمرة للتجديد والبحث عن آفاق تعبيرية غير مطروقة.

الشاعر صادق الصائغ: رائد القصيدة السريالية العربية

تميز الشاعر صادق الصائغ بأسلوبه السريالي المبتكر، الذي كسر القوالب التقليدية للشعر العربي، وفتح الباب أمام رؤى جديدة للغة والصورة. لم يكن مجرد مقلد للحركة السريالية الغربية، بل استطاع أن يطوعها لتناسب الروح العربية والواقع العراقي، ليقدم قصيدة تتجاوز المألوف وتغوص في أعماق اللاوعي الإنساني. قصائده كانت بمثابة لوحات فنية، تتداخل فيها الألوان والظلال، وتتراقص فيها الكلمات لتشكل معاني متعددة الطبقات، تدعو القارئ إلى التأمل والتفكير. هذا التجديد الجريء جعله من أبرز شعراء الحداثة في العراق، ومن الملهمين للكثير من الأجيال اللاحقة التي رأت فيه نموذجاً للشجاعة الفنية والالتزام بالرؤية الشخصية.

تأثيره على المشهد الثقافي العراقي والعربي

لم يقتصر تأثير صادق الصائغ على الشعر وحده، بل امتد ليشمل مجالات ثقافية أخرى. فقد أسهم بصورة لافتة في إثراء المشهد الثقافي العربي من خلال مجموعاته الشعرية، وحضوره الفاعل في مجالي الصحافة والتلفزيون. وفي عام 2003، تم اختياره مستشاراً لوزارة الثقافة، مما يعكس تقدير الدولة لمكانته الفكرية والفنية. وصفه النقاد بأنه شاعر يضع الأخلاق قبل الإنجاز الفني، بينما رآه أصدقاؤه، مثل رواء الجصاني، “الخارج عن حاجات التعريف التقليدي”، الذي “عقب ذيوع صيته عراقياً وعربياً منذ أكثر من ستين عاماً، وما برح”. إن رحيل الشاعر صادق الصائغ يمثل خسارة كبيرة للثقافة العربية، لكن إرثه الفني سيظل منارة تضيء دروب الأجيال القادمة، وتلهمهم للبحث عن الأصالة والتجديد.

تظل أعمال صادق الصائغ، ومنها قصيدته الشهيرة “هنا بغداد”، شاهداً على عمق تجربته وصدق رؤيته. في هذه القصيدة، تتجلى قدرته على مزج الواقع بالخيال، والهم الوطني بالبعد الإنساني، ليقدم صورة حية لمدينة بغداد بكل تناقضاتها وآلامها وآمالها. يقول في جزء منها: “هذه المدينة عجيبة، ضُرِبتْ بالقنابل، سُحقتْ تحت الأقدام، كما تُسحقُ ساعة معطلة، لكنها كما لو وُلِدتْ للتو: سُمِعتْ، تحت الإنقاض، تتكُ محتسسة قلبها، وأوصالها المفقودة.. مدينةٌ عجيبةٌ تقع في الجانب المشرق من الشمس جسمها ملتهبٌ وحرارتها عاليةٌ مصابةٌ بأحلام الزمن القادم في أعماقها غضبٌ وجوعٌ وبكاءٌ وصريرٌ أسنان يبحث عنها التاريخ، ويأُمها الأنبياءُ والشعراءُ والعشاقُ واللصوصُ البرابرةُ والغزاةُ وتجارُ الحروب في كلِّ مرةٍ يُظنُّ أنها انتهت تُطلقُ من أعماقها صرخةً طويلةً تسري في الأثير مثلَ موجٍ مُتكسر أكون أو لا أكون، أموتُ أو لا أموت، تلك هي المسألة. مدينةٌ عجيبةٌ يبحثُ عنها القناصون والعشاقُ والقتلةُ الغربُ والشرقُ الشمالُ والجنوبُ تتعرضُ يومياً للقصفِ دونَ أن تفقدَ التوازن، وكما لو لتوها وُلِدتْ سُمِعتْ تتحركُ تحتَ الإنقاضِ وسُمِعَ صوتُ بلبل الإذاعة بكلِّ ما تبقى له من قوةٍ بكلِّ ما تبقى من أنفاسٍ من تحتَ الإنقاضِ يتكُ مرسلاً للعالم وللأجيال القادمة شفراتٍ وإشاراتٍ ورموزاً وعلى أجنحةِ ضوءٍ مُتكسر.. هنا بغداد.. هنا بغداد.. هنا بغداد”. هذه الكلمات، التي كتبها بقلب ينبض بحب وطنه، تعكس مدى ارتباطه بمدينته وتاريخها، وتبرز قدرته على تحويل الألم إلى فن خالد. إن إرثه الشعري والفني سيبقى حياً، يذكرنا بقيمة التجريب، وأهمية الصوت الفردي في إثراء الثقافة الإنسانية.

spot_imgspot_img