تحت عنوان "فَرْضِيَّةُ اكْتِمَالِ الفَوَاجِعِ الرَّمْزِيَّةِ وَالعَوْدَةِ إِلَى القَوَاسِمِ المُشْتَرَكَة"، زار السفير السعودي في لبنان الدكتور وليد بخاري، اليوم (الأربعاء)، البطريرك مار بشارة بطرس الراعي في بكركي، في لقاءٍ تركّز على سبل تعزيز الاستقرار في لبنان ودعم مسار الدولة ومؤسساتها. تأتي هذه الزيارة في سياق الجهود الدبلوماسية المستمرة لتعزيز العلاقات الثنائية ودعم استقرار لبنان في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخه.
عمق العلاقات التاريخية ودور السعودية في المشهد اللبناني
لطالما كانت المملكة العربية السعودية شريكاً أساسياً وداعماً قوياً للبنان، وشاهداً على ذلك تاريخ طويل من العلاقات الأخوية التي تجسدت في محطات مفصلية. فمنذ استقلال لبنان، لعبت المملكة دوراً محورياً في دعم سيادته ووحدته، وكان أبرز تجلياته رعايتها لاتفاق الطائف عام 1989، الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية وأرسى دعائم السلم الأهلي، مقدماً خارطة طريق لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها. هذه الزيارة تعيد التأكيد على هذا الالتزام التاريخي تجاه وحدة لبنان وسيادته واستقراره. وفي مستهل اللقاء، نقل السفير بخاري تحيات القيادة السعودية، مشيداً بالدور الوطني والروحي الذي يضطلع به البطريرك الراعي، الذي يمثل مرجعية دينية ووطنية مهمة في النسيج اللبناني، وغالباً ما كان صوته داعياً للوحدة والحوار في أوقات الشدائد. وأكد السفير أن المرحلة الراهنة تحتاج إلى حكماء يعملون على ترسيخ مناخات الأمن والاستقرار، ودعم الرئاسات الدستورية في مقاربتها للتحديات القائمة.
دعوة للحكمة الوطنية وتجاوز منطق الانقسام
وشدد السفير بخاري على أن بناء الإنسان يسبق بناء الحجر، وأن ترسيخ الولاء للوطن يبقى الركيزة الأساسية لأي نهوض مستقبلي. وتناول الحديث مقاربة فكرية-تاريخية للوضع اللبناني، مستنداً إلى قراءات في أعمال عدد من المؤرخين والمفكرين البارزين، وفي مقدمهم فيليب حتي وكمال الصليبي وأسد رستم، حيث طُرحت فكرة «اكتمال الفواجع الرمزية» لدى مختلف مكونات المجتمع اللبناني. هذه الفكرة تشير إلى أن التجارب الصعبة التي مرت بها جميع الأطراف قد تكون نقطة انطلاق نحو فهم مشترك وفتح الباب أمام العودة إلى القواسم المشتركة الجامعة، بعيداً عن منطق الانقسام الذي طالما أرهق البلاد. في هذا السياق، جرى تأكيد أن التاريخ اللبناني، بما يحمله من محطات متكررة وأزمات متتالية، يدعو إلى استخلاص العبر، تفادياً لتكرار الأخطاء، والانطلاق نحو مرحلة جديدة قوامها التلاقي الوطني والتوافق على رؤية موحدة لمستقبل لبنان.
أهمية الحوار الديني والوطني في تعزيز استقرار لبنان
وشدد الاجتماع على أهمية الحكمة السياسية والعقلانية في إدارة المرحلة الحالية، معتبرين أن الانتصار الحقيقي لا يكون بالقوة أو بالهيمنة، بل بالقدرة على بناء توافقات وطنية صلبة ومستدامة. وأكد الجانبان ضرورة استثمار اللحظة الراهنة لتفادي ضياع الفرص الثمينة، والانطلاق نحو رؤية مستقبلية واضحة تعزز الشراكات مع الدول الشقيقة والصديقة التي تكن محبة صادقة للبنان وشعبه. وتطرق اللقاء إلى أهمية دعم المبادرات الحوارية، خصوصاً اللقاءات الدينية والوطنية الجامعة، لما لها من دور محوري في تثبيت الاستقرار وتعزيز روح التلاقي بين مختلف المكونات اللبنانية. إن نجاح هذه المبادرات يفتح آفاقاً جديدة أمام الحلول البناءة للأزمات المتراكمة، ويعد خطوة أساسية نحو دعم استقرار لبنان على المدى الطويل، من خلال تقوية نسيجه الاجتماعي والسياسي.
رسالة البطريرك الراعي: دعوة للوعي والمسؤولية الوطنية
بدوره، شدد البطريرك الراعي على أهمية التمسك بالثوابت الوطنية اللبنانية، والعمل الدؤوب على صون كرامة الإنسان اللبناني ومستقبله، معبراً عن تقديره العميق للجهود المبذولة من قبل المملكة العربية السعودية في سبيل دعم لبنان واستقراره. وأكد أن المرحلة الراهنة تتطلب وعياً جماعياً ومسؤولية وطنية عالية من جميع الأطراف، من أجل حماية الوطن وإعادة بنائه على أسس متينة من الوحدة والتضامن. واختتم اللاء برسالة ثقافية-أدبية معبرة، إذ استُعيد بيت للشاعر والدبلوماسي السعودي الكبير عبدالعزيز خوجة، الذي عبر عن عمق المحبة للبنان بكلمات مؤثرة، قائلاً: «لُبْنَانُ أَرْضُ الحِجَى، هَلْ لِلْحِجَى أَجَلُ؟» في إشارة إلى مكانة لبنان الفكرية والثقافية التي لا تزول.


