مع اقتراب الأول من مايو، تتجه الأنظار نحو واشنطن حيث تلوح في الأفق مواجهة ترمب والكونغرس بشأن إيران، خاصة مع انتهاء مهلة الستين يوماً التي يحددها قانون صلاحيات الحرب. هذا الموعد الحاسم يضع إدارة الرئيس دونالد ترمب أمام خيارين دستوريين لا ثالث لهما: إما الحصول على تفويض صريح من الكونغرس لمواصلة العمليات العسكرية ضد إيران، أو سحب القوات الأمريكية وإنهاء أي تدخل عسكري محتمل. هذه اللحظة ليست مجرد إجراء روتيني، بل هي اختبار حقيقي لتوازن القوى بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في الولايات المتحدة، وتداعياتها قد تتجاوز الحدود الأمريكية.
جذور الخلاف الدستوري: قانون صلاحيات الحرب وتاريخه
ينص الدستور الأمريكي بوضوح على أن سلطة إعلان الحرب تقع في يد الكونغرس، بموجب المادة الأولى، بينما يكون الرئيس هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وفقاً للمادة الثانية. هذا التقسيم الواضح للسلطات لطالما كان مصدراً للجدل، خاصة في أوقات التوتر الدولي. وقد جاء قانون صلاحيات الحرب لعام 1973، الذي صدر بعد تجاوزات السلطة التنفيذية خلال حرب فيتنام، ليضع قيوداً على قدرة الرئيس على إرسال القوات المسلحة إلى مناطق النزاع دون موافقة الكونغرس. يفرض هذا القانون على الرئيس إبلاغ الكونغرس خلال 48 ساعة من نشر القوات في “أعمال عدائية” أو حالات قد تؤدي إلى ذلك، ويحدد مهلة 60 يوماً كحد أقصى لاستمرار هذه العمليات دون تفويض تشريعي، مع إمكانية تمديدها لـ30 يوماً إضافية لغرض الانسحاب.
تصاعد التوتر الأمريكي الإيراني: خلفية الأزمة الراهنة
تأتي هذه المواجهة الدستورية في ظل تصاعد غير مسبوق للتوترات بين الولايات المتحدة وإيران. فبعد عقود من العلاقات المتوترة التي شهدت أحداثاً مفصلية مثل الثورة الإيرانية عام 1979 وأزمة الرهائن، تصاعدت حدة التوتر بشكل كبير بعد انسحاب إدارة ترمب من الاتفاق النووي الإيراني (خطّة العمل الشاملة المشتركة) عام 2018، وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية القاسية على طهران. هذه الإجراءات، بالإضافة إلى سلسلة من الحوادث الأمنية في المنطقة، أدت إلى مخاوف جدية من اندلاع صراع عسكري أوسع نطاقاً، مما يجعل دور الكونغرس في تحديد مسار السياسة الخارجية الأمريكية أكثر أهمية من أي وقت مضى.
غالباً ما يستغل الرؤساء عدم وجود تعريف دقيق لمصطلح “الأعمال العدائية” الوارد في قانون صلاحيات الحرب. فالهجمات الجوية وعمليات الطائرات بدون طيار، على سبيل المثال، لا تعتبر عادة أعمالاً عسكرية تستوجب إخطار الكونغرس والالتزام بمهلة الستين يوماً. وقد كشف الرئيس ترمب نفسه عن تلقيه نصيحة بعدم استخدام كلمة “حرب” عند الحديث عن إيران، والاكتفاء بمصطلح “عمليات عسكرية” لتجنب القيود القانونية. هذا التفسير المرن للمصطلح يسمح للرؤساء بالاستمرار في العمليات العسكرية بعد انتهاء المهلة دون الحاجة إلى تفويض صريح من الكونغرس، كما حدث في عام 2011 عندما شنت إدارة الرئيس السابق باراك أوباما هجمات على ليبيا استمرت 78 يوماً دون تفويض، بحجة أن القوات الأمريكية لم تشارك في هجمات برية مباشرة.
تحديات الكونغرس في مواجهة ترمب
في حال عدم تقديم ترمب تقريراً للكونغرس لطلب تمديد العمليات القتالية لمدة 30 يوماً بعد انتهاء مهلة الستين يوماً، يحق للكونغرس تقديم مشروع قانون أو قرار مشترك يوجه الرئيس بسحب القوات الأمريكية من الخارج. ومع ذلك، فإن تمرير مثل هذا القرار يتطلب أغلبية ضئيلة في مجلسي النواب والشيوخ، اللذين يتمتعان حالياً بأغلبية جمهورية. وفي حال استخدام الرئيس حق النقض (الفيتو) ضد أي قرار يحد من صلاحياته العسكرية، سيحتاج الكونغرس إلى تصويت ثلثي الأعضاء في كلا المجلسين لتجاوز الفيتو الرئاسي، وهو أمر بالغ الصعوبة في ظل الانقسامات الحزبية الحالية والدعم الجمهوري لاستمرار الضغط على إيران. يُذكر أن الكونغرس لم يعلن الحرب رسمياً منذ الحرب العالمية الثانية، مما يحول القضية إلى نزاع سياسي ودستوري معقد.
إلى جانب التشريع، يمتلك الكونغرس أدوات أخرى للتعامل مع هذه المسألة، بما في ذلك تحديد المخصصات المالية للعمليات العسكرية، والرقابة البرلمانية المشددة، واللجوء إلى القضاء، وحتى إجراءات عزل الرئيس في الحالات القصوى. وقد طلب البيت الأبيض بالفعل تمويلاً إضافياً بقيمة 200 مليون دولار لدعم القوات الأمريكية في عملياتها ضد إيران، وهو ما يمكن للكونغرس رفضه كأداة ضغط.
تداعيات المواجهة: مستقبل المنطقة والعلاقات الدولية
إن نتيجة هذه مواجهة ترمب والكونغرس بشأن إيران تحمل تداعيات عميقة تتجاوز حدود السياسة الداخلية الأمريكية. على الصعيد الإقليمي، يمكن أن يؤدي أي تصعيد عسكري إلى زعزعة استقرار منطقة الخليج بأكملها، مما يؤثر على أسعار النفط العالمية وحركة الملاحة الدولية في مضيق هرمز الحيوي. كما قد ينجر حلفاء الولايات المتحدة وخصومها في المنطقة إلى صراع أوسع، مما يهدد الأمن والسلم الدوليين. أما على الصعيد المحلي، فإن هذا النزاع الدستوري يعيد التأكيد على أهمية مبدأ الفصل بين السلطات، ويبرز دور الكونغرس كجهة رقابية على السلطة التنفيذية، حتى في قضايا الأمن القومي الحساسة. إن الطريقة التي ستُحل بها هذه الأزمة ستشكل سابقة مهمة لكيفية تعامل الإدارات الأمريكية المستقبلية مع صلاحيات الحرب، وتأثيرها على السياسة الخارجية للبلاد.
بينما يترقب العالم ما سيسفر عنه الأول من مايو، تظل الكرة في ملعب الكونغرس الأمريكي، الذي يواجه تحدياً كبيراً في موازنة صلاحياته الدستورية مع الحاجة إلى استجابة موحدة للتهديدات الخارجية. إنها لحظة فارقة قد تحدد مسار العلاقات الأمريكية الإيرانية لسنوات قادمة، وتؤثر على الاستقرار العالمي.


