شن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب هجومًا جديدًا ولاذعًا ضد المستشار الألماني فريدريش ميرتس، معتبرًا أنه «لا يعرف ما يتحدث عنه» فيما يتعلق بالملف الإيراني الحساس. هذا التصعيد الأخير يعكس تفاقم خلاف ترمب وألمانيا حول إيران، ويأتي في أعقاب انتقادات حادة وجهها ميرتس لسياسة واشنطن في التعامل مع الأزمة الإيرانية، محذرًا من تكرار سيناريوهات حروب سابقة. وقد كتب ترمب عبر منصة «تروث سوشيال» أن ميرتس «يعتقد أنه من المقبول أن تمتلك إيران سلاحًا نوويًا»، مضيفًا: «هو لا يعرف ما يتحدث عنه»، في رد مباشر على تصريحات ألمانية أثارت جدلاً واسعًا. ورغم هذه الانتقادات، وصف ميرتس علاقته بالرئيس الأمريكي بأنها «لا تزال جيدة»، لكنه أكد أنه كان «متشككًا منذ البداية» في أسباب حرب إيران، ولهذا السبب أوضح الأمر.
جذور الأزمة النووية الإيرانية وموقف ترمب
لفهم عمق هذا الخلاف، يجب العودة إلى السياق التاريخي للبرنامج النووي الإيراني والجهود الدولية لاحتوائه. ففي عام 2015، توصلت القوى العالمية الكبرى، بما فيها الولايات المتحدة وألمانيا، إلى الاتفاق النووي الإيراني المعروف رسميًا بخطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA). هذا الاتفاق كان يهدف إلى تقييد قدرة إيران على تطوير أسلحة نووية مقابل رفع العقوبات الاقتصادية عنها. ومع ذلك، انسحب الرئيس دونالد ترمب من الاتفاق بشكل أحادي في عام 2018، معتبرًا إياه «أسوأ صفقة على الإطلاق»، وأعاد فرض عقوبات مشددة على طهران. هذا القرار قوبل برفض واسع من الحلفاء الأوروبيين، بما في ذلك ألمانيا، الذين سعوا جاهدين للحفاظ على الاتفاق وتوفير آليات اقتصادية (مثل آلية إنستكس) لتمكين الشركات الأوروبية من مواصلة التعامل التجاري مع إيران، في محاولة لإنقاذ الاتفاق ومنع إيران من التراجع عن التزاماتها النووية.
تداعيات الخلاف على العلاقات العابرة للأطلسي
لا يقتصر تأثير هذا التوتر على الملف الإيراني فحسب، بل يمتد ليشمل العلاقات العابرة للأطلسي برمتها. فالتصريحات المتبادلة بين واشنطن وبرلين تكشف عن شرخ متزايد بين الولايات المتحدة وبعض حلفائها الأوروبيين الرئيسيين، خاصة فيما يتعلق بالرؤى الاستراتيجية للتعامل مع التحديات العالمية. بينما ترى إدارة ترمب أن الضغط الأقصى هو السبيل الوحيد لإجبار إيران على تغيير سلوكها، يفضل الأوروبيون، ومنهم ألمانيا، المسار الدبلوماسي والتفاوضي، معتبرين أن الانسحاب من الاتفاق النووي قد زاد من حدة التوتر في المنطقة. هذا التباين في النهج يهدد بتقويض وحدة الصف الغربي في مواجهة قضايا دولية أخرى، ويضعف القدرة على بناء تحالفات فعالة لمواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية المشتركة.
ألمانيا ودورها في تخفيف التوتر: خلاف ترمب وألمانيا حول إيران وتكاليفه
لطالما لعبت ألمانيا دورًا محوريًا في الدبلوماسية الدولية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط. وقد أكد المستشار الألماني فريدريش ميرتس أن بلاده تقف إلى جانب شركائها الأوروبيين في السعي نحو حل دبلوماسي، محذرًا من أن التصعيد العسكري قد يكرر سيناريوهات كارثية مشابهة لحربي العراق وأفغانستان. كما أشار إلى أن الأزمة الحالية تكلف بلاده «أموالًا طائلة» في ظل ارتفاع أسعار الطاقة وتأثر الاقتصاد الأوروبي بالعقوبات الأمريكية المفروضة على إيران. وتستعد أوروبا للمساهمة في تأمين الملاحة في مضيق هرمز، الشريان الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية، عبر إرسال كاسحات ألغام إلى المنطقة، مما يعكس حجم التحدي الذي يواجهها في ظل هذا خلاف ترمب وألمانيا حول إيران.
تتزامن هذه التوترات مع فترة تتراجع فيها آمال التوصل إلى تسوية دبلوماسية، بعد فشل جولات تفاوضية وإلغاء زيارات لمسؤولين أمريكيين. ويظل مضيق هرمز، الذي يُعد شريانًا حيويًا لإمدادات الطاقة العالمية، نقطة اشتعال محتملة، مما يزيد من تعقيد المشهد. إن استمرار هذا التوتر بين واشنطن وبرلين، إلى جانب التداعيات الاقتصادية المتزايدة، يؤكد الحاجة الملحة إلى استراتيجية واضحة وموحدة لتجنب المزيد من التصعيد في منطقة حساسة بالفعل.


