شهدت الأوساط العسكرية في الولايات المتحدة هزة جديدة بعد تسريبات صحفية كشفت عن قرار وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث بإجبار قائد القوات البرية الأمريكية في أوروبا على التقاعد المبكر. وتأتي إقالة الجنرال دوناهيو (سي دي دوناهيو) كجزء من سلسلة تغييرات جذرية يقودها هيغسيث لإعادة هيكلة القيادات العليا في البنتاغون، مما يثير تساؤلات عميقة حول مستقبل الاستراتيجية العسكرية الأمريكية في القارة الأوروبية، لا سيما في ظل التوترات المستمرة مع روسيا والدور المحوري الذي كان يلعبه الجنرال المقال في دعم أوكرانيا. وبحسب صحيفة “فاينانشال تايمز”، فإن هذا القرار يمثل حلقة جديدة في سلسلة الإقالات التي تستهدف كبار القادة العسكريين الذين ارتبطت أسماؤهم بالمرحلة السابقة.
خلفيات القرار وسياق إعادة هيكلة القيادة العسكرية
يعتبر الجنرال سي دي دوناهيو أحد أبرز القادة المخضرمين في القوات الخاصة الأمريكية، ويحظى باحترام واسع النطاق داخل صفوف الجيش وخارجها بفضل مسيرته الطويلة التي امتدت لأكثر من عقدين، شملت قيادة العمليات في العراق وسوريا وأفريقيا. وتكتسب شخصية دوناهيو رمزية تاريخية خاصة لكونه آخر جندي أمريكي غادر الأراضي الأفغانية في أغسطس 2021، إبان الانسحاب الفوضوي الذي أمر به الرئيس السابق جو بايدن.
ويرى مراقبون أن هذا الارتباط التاريخي بحادثة الانسحاب من أفغانستان قد يكون أحد الدوافع غير المعلنة وراء قرار وزير الدفاع بيت هيغسيث. فقد عرف عن هيغسيث انتقاده الشديد والعلني لطريقة إدارة ذلك الانسحاب، وبمجرد توليه منصبه، أمر بفتح تحقيقات موسعة في ملابسات تلك العملية. وبالتالي، فإن إنهاء خدمة دوناهيو يأتي في سياق تصفية الحسابات السياسية والعسكرية مع الحقبة الماضية وإعادة صياغة العقيدة القتالية للجيش الأمريكي بما يتوافق مع رؤية الإدارة الحالية.
تداعيات إقالة الجنرال دوناهيو على الأمن الأوروبي وحلف الناتو
تتجاوز تأثيرات هذا القرار الحدود الأمريكية لتلقي بظلالها على الساحة الدولية، وخاصة في القارة الأوروبية. فقد لعب دوناهيو دوراً محورياً وتنسيقياً فائق الأهمية في تنظيم الدعم العسكري واللوجستي الأمريكي المقدم لأوكرانيا في مواجهة التدخل العسكري الروسي. وتأتي إقالة الجنرال دوناهيو في وقت حساس للغاية، حيث يستعد البنتاغون لخفض مستوى القيادة العسكرية الأمريكية في أوروبا، تماشياً مع الضغوط المستمرة التي يمارسها الرئيس دونالد ترامب على الحلفاء الأوروبيين لحثهم على تحمل المسؤولية المالية والدفاعية الأكبر عن أمنهم القومي وعن تمويل الحرب في أوكرانيا.
هذا التغيير المفاجئ في هرم القيادة بأوروبا قد يبعث برسائل مقلقة لحلفاء واشنطن في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، حيث يخشى البعض من أن تؤدي هذه الإقالات المتتالية إلى إضعاف التنسيق العسكري الميداني وإرباك خطط الدفاع المشترك في وقت تشهد فيه الجبهة الشرقية لأوروبا توترات غير مسبوقة.
موجة إقالات واسعة تثير القلق داخل البنتاغون
لا تعد هذه الخطوة معزولة، بل تأتي ضمن حملة تطهير واسعة النطاق شملت الإطاحة بالعديد من الرموز العسكرية البارزة خلال الأشهر الماضية. فقد أقال هيغسيث في وقت سابق الجنرال راندي جورج من منصب رئيس أركان الجيش، والجنرال سي كيو براون من رئاسة هيئة الأركان المشتركة، والأدميرال ليزا فرانشيتي التي كانت أول امرأة تتولى قيادة العمليات البحرية. كما طالت الإقالات الجنرال تيموثي هوج الذي كان يقود وكالة الأمن القومي وقيادة الفضاء الإلكتروني.
وقد حذر ضباط ومسؤولون عسكريون سابقون من أن هذه القرارات المتسارعة، والتي غالباً ما تتم دون إبداء أسباب واضحة، تساهم في خلق “مناخ من الخوف والترقب” داخل المؤسسة العسكرية. هذا المناخ قد يؤثر سلباً على الروح المعنوية للضباط والجنود، ويحد من قدرة القيادات الوسطى والعليا على اتخاذ قرارات استراتيجية جريئة خوفاً من الإقالة أو تجميد الترقيات، مما يضع كفاءة الجيش الأمريكي وجاهزيته على المحك في ظل التحديات الجيوسياسية المتزايدة حول العالم.


