انفجرت التفاهمات الأمريكية الإيرانية مبكراً وقبل انقضاء مهلة الستين يوماً التي كان يُؤمل أن تمهد لاتفاق نهائي، ليعود مضيق هرمز إلى واجهة الأحداث كصاعق تفجير قد يطيح بالاستقرار الإقليمي. ومع تبدد الأوهام الدبلوماسية سريعاً، يجد العالم نفسه اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستمرار في حرب استنزاف باردة تحت شعار “لا حرب ولا سلم” عبر ضربات موضعية متبادلة، أو الانزلاق نحو مواجهة عسكرية شاملة تعيد رسم التوازنات في المنطقة بدءاً من النقاط الساخنة التي توقفت عندها معارك أبريل الماضي.
جذور الصراع التاريخي والسيادة على مضيق هرمز
يعتبر مضيق هرمز الشريان الحيوي الأهم للاقتصاد العالمي، حيث يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط العالمية يومياً. وتاريخياً، ظل هذا الممر المائي ساحة للتنافس الجيوسياسي ومحوراً للاستراتيجية الدفاعية الإيرانية. وترى واشنطن وحلفاؤها الغربيون أن المضيق ممر مائي دولي يخضع لمبدأ حرية الملاحة المكفول بموجب القانون الدولي، وتعتبر أن أي تفاهمات سياسية يجب أن تضمن سلامة السفن التجارية دون قيد أو شرط. في المقابل، تستند طهران إلى تفسيرها الخاص للسيادة البحرية، معتبرة أن تنظيم المرور الآمن يقع تحت سلطتها المطلقة، مما يمنحها حق الإشراف والتدخل العسكري عند الحاجة، وهو ما ترفضه القوى الدولية جملة وتفصيلاً.
تصعيد ميداني ينهي دبلوماسية الستين يوماً
لم يقتصر الخلاف الأخير على السجالات السياسية، بل ترجمته إيران ميدانياً بفرض مسارات إجبارية على السفن العابرة، مجبرة إياها على اتخاذ المسار الشمالي المحاذي لسواحلها، مع استهداف أي ناقلة تختار المسار الجنوبي التابع للمياه الإقليمية لسلطنة عمان. يأتي هذا التصعيد في وقت تشهد فيه الساحة الداخلية الإيرانية تحولات جذرية؛ إذ تلاشت الفوارق التقليدية بين التيارات المحافظة والمعتدلة عقب جنازة المرشد علي خامنئي، وبات الحرس الثوري يمسك بزمام القرار بالكامل، متصرفاً بنشوة المنتصر ورافضاً تقديم أي تنازلات دبلوماسية.
غضب ترامب والغطاء الدولي لمواجهة طهران
أدى استهداف ثلاث سفن تجارية في الممر المائي إلى انقلاب جذري في موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فبعد أسابيع من الإشادة بـ “واقعية” القيادة الإيرانية الجديدة والرهان على براغماتيتها، استشاط الرئيس ترامب غضباً وشن هجوماً كلامياً عنيفاً أنهى مفاعيل القنوات الدبلوماسية الخلفية. وجاء هذا التحول مدعوماً بغطاء دولي غير مسبوق تشكل في قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة، والتي شرعنت بوضوح استخدام القوة العسكرية لحماية الملاحة الدولية، مما منح الإدارة الأمريكية الضوء الأخضر للتعامل بحزم مع أي تهديد يمس عصب الاقتصاد العالمي.
التداعيات الإقليمية والدولية لسيناريو المواجهة الشاملة
تتجاوز أهمية هذا الحدث النطاق المحلي لتلقي بظلالها على الأمن الدولي والإقليمي. وعلى الصعيد الإسرائيلي، يسعى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لاستغلال الغضب الأمريكي والدولي لإنهاء ملف مخزون اليورانيوم المخصب الإيراني بشكل نهائي. وإذا ما تُرجم هذا الانسداد السياسي إلى عمل عسكري، فإن التوقعات تشير إلى ضربات خاطفة تستهدف العمق النفطي الإيراني، مثل جزيرة “خارك”، لفرض الاستسلام بالقوة. خطورة هذا السيناريو تكمن في تفعيل استراتيجية “وحدة الساحات”، مما قد يحول لبنان فوراً إلى منصة للرد، ويدخل المنطقة في أتون حرب إقليمية واسعة النطاق تؤثر بشكل مباشر على أسعار الطاقة العالمية وسلاسل الإمداد الدولية.


