فيما انطلقت فعاليات مؤتمر برلين اليوم الأربعاء في العاصمة الألمانية، تتجه الأنظار نحو محاولات التخفيف من حدة الأزمة الإنسانية المتفاقمة. ومع استمرار الحرب في السودان، يغرق البلد في دوامة من العنف الدامي الذي حصد أرواح أكثر من 150 ألف شخص، بينما يواجه نحو 25 مليون إنسان خطراً حقيقياً يتمثل في المجاعة. هنا تكمن المأساة الحقيقية؛ فرغم فداحة الكارثة الإنسانية، لا تحظى هذه القضية بالاهتمام الكافي، بل يبدو أنها دخلت في طي النسيان والتجاهل، في وقت تستأثر فيه أزمات دولية أخرى باهتمام المجتمع الدولي.
جذور الصراع: كيف انزلقت البلاد إلى أتون الفوضى؟
لفهم تعقيدات المشهد الحالي، لا بد من العودة إلى السياق العام والخلفية التاريخية للحدث. اندلعت شرارة الصراع المسلح نتيجة تراكمات سياسية وعسكرية واقتصادية أعقبت الإطاحة بالنظام السابق في عام 2019. عاشت البلاد فترة انتقالية هشة تخللتها توترات متصاعدة بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، والتي بلغت ذروتها بانفجار الأوضاع وتحولها إلى مواجهات عسكرية شاملة. هذا التحول الدراماتيكي لم يدمر البنية التحتية فحسب، بل مزق النسيج الاجتماعي، وجعل ملايين الأبرياء يدفعون ثمن صراع على السلطة والنفوذ، مما أدى إلى واحدة من أكبر أزمات النزوح الداخلي واللجوء في العالم المعاصر.
التداعيات الكارثية: تأثيرات تتجاوز الحدود الجغرافية
لا تقتصر تداعيات هذه الأزمة على الداخل السوداني، بل تمتد لتشكل تهديداً استراتيجياً للمنطقة بأسرها. على الصعيد المحلي، أدى انهيار النظام الصحي وتوقف عجلة الاقتصاد إلى تفاقم المعاناة اليومية للمواطنين، حيث بات الحصول على الغذاء والدواء شبه مستحيل في العديد من المناطق. إقليمياً، تواجه دول الجوار موجات نزوح غير مسبوقة تضغط على مواردها المحدودة وتهدد الاستقرار الإقليمي الهش. أما دولياً، فإن استمرار هذا الصراع يخلق بيئة خصبة لتمدد الفوضى وتزايد التدخلات الخارجية، مما يجعل من إيجاد حل جذري ضرورة ملحة للأمن والسلم الدوليين.
مؤتمر برلين وواقع الحرب في السودان: هل من أمل للسلام؟
تحت عنوان «السودان لا يكاد يعني شيئاً لهذا العالم»، اعتبرت صحيفة «زود دويتشه» الألمانية أن مؤتمر برلين الدولي يبعث بعض الأمل، لكنها تساءلت بمرارة عما إذا كان المجتمع الدولي سيجد الإرادة والقوة الكافيتين لكبح جماح الحرب في السودان. وأجابت الصحيفة بواقعية تشاؤمية: «لا، هذا لن يحدث». وتطرقت التقارير إلى مجازر مدينة الفاشر، مشيرة إلى أنه رغم التوقعات بحدوثها، لم تبذل أي جهة دولية جهوداً حقيقية لمنعها، رغم أنها قد ترقى إلى مصاف جرائم الإبادة الجماعية. القتال مستمر، ومعه ينمو «اقتصاد الحرب» الذي تستفيد منه الأطراف المتنازعة، بينما يغرق الشعب في مزيد من المعاناة التي لن يتمكن مؤتمر برلين وحده من حلها.
خذلان المجتمع الدولي: تحذيرات تم تجاهلها
في سياق متصل، سلطت صحيفة «دي تسايت» الأسبوعية الضوء على هذه المأساة في مقال بعنوان «خيانة سكان الفاشر». ووجهت اتهامات صريحة للولايات المتحدة وبريطانيا بتجاهل تحذيرات مبكرة من احتمال وقوع إبادة جماعية. ومع سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة في أكتوبر الماضي، وقع ما حذر منه السكان وأجهزة المخابرات؛ حيث تشير التقارير إلى مقتل نحو 10 آلاف شخص خلال 72 ساعة فقط، مع بقاء 40 ألفاً في عداد المفقودين. ورغم وجود اتفاقية منع الإبادة الجماعية لعام 1948 ومبدأ «مسؤولية الحماية» الأممي لعام 2005، لم يتم تفعيل هذه الالتزامات لحماية المدنيين. وفي ظل ازدحام الأجندة الدولية بالحروب الأخرى، تبقى فرص إحداث تقدم دبلوماسي ضعيفة. ومع ذلك، اختتمت الصحيفة بالتأكيد على أنه حتى لو تجاهل العالم هذه الكارثة، فإنها موجودة، والحد الأدنى من الواجب الإنساني هو عدم إشاحة النظر عن الضحايا.


