رجح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إمكانية عقد جولة ثانية من مفاوضات أمريكا وإيران بحلول يوم الجمعة، وذلك في أعقاب إعلانه عن تمديد مهلة “وقف إطلاق النار” التي تهدف إلى إتاحة الفرصة لطهران لتقديم “مقترح موحد”. تأتي هذه التطورات في ظل مساعٍ حثيثة لتهدئة التوترات المتصاعدة بين البلدين، والتي بلغت ذروتها في الأشهر الأخيرة. وأكد ترامب لصحيفة “نيويورك بوست”، نقلاً عن تصريحات لمصادر باكستانية، أن هناك احتمالاً كبيراً لاستئناف محادثات السلام خلال هذه الفترة، قائلاً: “إن ذلك ممكن”. هذا التوقع يأتي بعد يوم واحد من إعلان ترامب عن تمديد وقف إطلاق النار، مشيراً إلى أن ذلك يمنح “قيادتها المنتقمة” فرصة لتقديم “مقترح موحد” بشأن الأزمة.
جذور التوتر: من الاتفاق النووي إلى التصعيد الأخير
تأتي هذه المساعي الدبلوماسية في سياق تاريخ طويل من التوترات بين واشنطن وطهران، والتي تصاعدت بشكل حاد منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA) في مايو 2018. كان الاتفاق، الذي أبرم عام 2015 بين إيران ومجموعة 5+1 (الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا والاتحاد الأوروبي)، يهدف إلى تقييد البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات الدولية. إلا أن إدارة ترامب اعتبرت الاتفاق “معيباً” و”غير كافٍ” لمعالجة سلوك إيران الإقليمي وبرنامجها الصاروخي، وأعادت فرض عقوبات اقتصادية قاسية على طهران. أدت هذه العقوبات إلى تدهور الاقتصاد الإيراني بشكل كبير، وردت إيران بتقليص التزاماتها بموجب الاتفاق النووي، مما زاد من المخاوف الدولية بشأن قدراتها النووية. شهدت المنطقة تصعيداً عسكرياً ودبلوماسياً غير مسبوق، شمل هجمات على ناقلات نفط في الخليج، وإسقاط طائرة مسيرة أمريكية، وهجمات على منشآت نفطية سعودية، مما دفع بالمنطقة إلى حافة المواجهة المباشرة.
الرهانات الإقليمية والدولية على طاولة الحوار
إن استئناف مفاوضات ترامب وإيران يحمل في طياته رهانات إقليمية ودولية ضخمة. على الصعيد الإقليمي، يمكن أن يؤدي التوصل إلى تفاهم إلى تخفيف حدة التوترات في منطقة الخليج العربي، التي تعد شرياناً حيوياً لإمدادات النفط العالمية. كما أن استقرار المنطقة له تأثير مباشر على الأمن القومي للعديد من الدول المجاورة. دول مثل باكستان، التي تلعب دور الوسيط، تدرك جيداً مخاطر التصعيد وتداعياته المحتملة على المنطقة بأسرها. دولياً، تترقب القوى الكبرى نتائج هذه المفاوضات، حيث أن أي اتفاق قد يساهم في منع انتشار الأسلحة النووية ويقلل من خطر نشوب صراع أوسع نطاقاً قد يؤثر على الاقتصاد العالمي واستقرار الأسواق المالية. الفشل في التوصل إلى حل دبلوماسي قد يعيد الخيار العسكري إلى الواجهة، وهو ما يحذر منه العديد من المحللين كسيناريو كارثي.
تحديات التوافق الداخلي الإيراني
وفقاً لموقع “أكسيوس”، منح ترامب “الأطراف المتنازعة” في إيران مهلة قصيرة للتوحد خلف “عرض متماسك” في المفاوضات، وإلا فإن وقف إطلاق النار الذي أعلن تمديده سينتهي. وأضاف الموقع أن ترامب مستعد لمنح فترة تتراوح بين 3 و5 أيام لوقف إطلاق النار لتمكين الإيرانيين من ترتيب أمورهم، مؤكداً أن هذه الفترة لن تكون مفتوحة المدة. ويعتقد المفاوضون الأمريكيون أن التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب ومعالجة ما تبقى من برنامج إيران النووي لا يزال ممكناً. لكنهم قلقون من عدم وجود شخصية في طهران تتمتع بصلاحية الموافقة على مثل هذا الاتفاق. يعتبر المرشد الإيراني علي خامنئي شخصية لا يمكن الوصول إليها، بينما يختلف جنرالات الحرس الثوري الإيراني، الذين يمسكون بزمام الأمور في الوقت الراهن، علناً مع المفاوضين المدنيين بشأن الاستراتيجية. وأكد الموقع أنه في حال عدم تمكن الوسطاء الباكستانيين من ضمان مشاركة إيران خلال الإطار الزمني الذي حدده ترامب، فسيعود الخيار العسكري إلى طاولة المفاوضات.
وكان ترامب قد أعلن في بيان سابق موافقته على طلب الوسطاء الباكستانيين “بوقف الهجوم على إيران إلى أن يتسنى لقيادتها وممثليها التوصل إلى اقتراح موحد، واختتام المحادثات، بطريقة أو بأخرى”. وأشار إلى أنه سيواصل العقوبات التي تفرضها البحرية على التجارة الإيرانية عبر البحر. ونقلت شبكة “فوكس نيوز” الأمريكية عن مصادر ترجيحها أن يكون تمديد الهدنة “لفترة قصيرة الأمد ما لم يتم التوصل إلى اتفاق سريع”. واعتبرت أن هذه الخطوة تمثل “دفعة أخيرة نحو السلام للشعب الإيراني الذي أنهكته الحرب”، مضيفة أنها “تمنح النظام في إيران مزيداً من الوقت لمحاولة التنسيق والتواصل داخلياً”. وينتظر مسؤولون أمريكيون ووسطاء باكستانيون أن يخرج خامنئي عن صمته خلال اليوم أو اليومين القادمين، وأن يعطي مفاوضيه توجيهات واضحة للعودة إلى طاولة المفاوضات، وفقاً لمصدر إقليمي مطلع على جهود الوساطة.


