تترقب الأوساط السياسية والدبلوماسية وصول وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد مساء اليوم (الجمعة)، على رأس وفد محدود، لإجراء جولة ثانية من محادثات السلام بين الولايات المتحدة وإيران. تأتي هذه الخطوة في إطار جهود الوساطة المكثفة التي تبذلها باكستان لتهدئة التوترات المتصاعدة في المنطقة، وتأمل المصادر الحكومية الباكستانية أن تسهم هذه الجولة في تحقيق تقدم ملموس في مفاوضات أمريكا وإيران.
وتشير التوقعات إلى أن هذه الجولة الثانية من المحادثات ستعقد في إسلام آباد، بعد تواصل مكثف مع فريق الوساطة الباكستاني. وقد أفاد مسؤولون بأن فريقاً لوجستياً وأمنياً أمريكياً لا يزال متواجداً في العاصمة الباكستانية لدعم عملية الحوار المرتقبة. وكان الوزير الإيراني قد أجرى في وقت سابق اتصالات مباشرة مع كبار القيادات المدنية والعسكرية في باكستان، من بينهم نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية إسحاق دار، وقائد الجيش المشير عاصم منير، وذلك في ظل تطورات إقليمية متسارعة تتطلب حلاً دبلوماسياً عاجلاً.
خلفية تاريخية لتوترات واشنطن وطهران
إن العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران شهدت عقوداً من التوتر والتعقيد، خاصة منذ الثورة الإيرانية عام 1979. وقد بلغت هذه التوترات ذروتها في السنوات الأخيرة، لا سيما بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA) في عام 2018، وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية المشددة على طهران. هذا الانسحاب أدى إلى تصعيد كبير في المنطقة، شمل حوادث استهداف ناقلات النفط، واعتراض طائرات مسيرة، وتصريحات متبادلة حادة، مما دفع العديد من الدول، ومن بينها باكستان، إلى السعي للعب دور الوسيط لخفض التصعيد ومنع الانزلاق إلى صراع أوسع نطاقاً.
لطالما كانت باكستان، بحكم موقعها الجغرافي وعلاقاتها التاريخية مع كل من إيران والولايات المتحدة، في وضع يمكنها من تسهيل الحوار. وقد أكدت مصادر باكستانية أن المناقشات ركزت على الوضع الإقليمي الأوسع، وأهمية الجهود الدبلوماسية الجارية، وضرورة الحفاظ على الاستقرار من خلال استمرار التواصل. وقد شدد الجانبان على أولوية الحوار، واتفقا على البقاء على اتصال مع تطور الأوضاع، في محاولة لتجاوز الاتفاقات الشكلية التي لم تنجح في الماضي، والوصول إلى ترتيبات عملية قابلة للتنفيذ.
أهمية هذه المحادثات وتأثيرها المحتمل
تكتسب هذه الجولة من مفاوضات أمريكا وإيران أهمية بالغة على عدة مستويات. محلياً، تعزز جهود الوساطة الباكستانية مكانتها كلاعب إقليمي يسعى للاستقرار، وهو ما يخدم مصالحها الأمنية والاقتصادية. إقليمياً، يمكن أن تسهم هذه المحادثات في تخفيف حدة التوترات في منطقة الخليج والشرق الأوسط، التي تعد شرياناً حيوياً للطاقة العالمية. أي تقدم في الحوار قد يؤدي إلى استقرار أسعار النفط، وتأمين الممرات الملاحية، وتقليل مخاطر الصراعات التي قد تؤثر على المنطقة بأسرها.
دولياً، تمثل هذه المحادثات بارقة أمل لحل دبلوماسي لأحد أعقد الملفات الدولية. فقد أكد وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار على أهمية استمرار الحوار والتواصل لمعالجة القضايا العالقة، بما يسهم في تعزيز السلام والاستقرار الإقليميين في أقرب وقت ممكن. وكان رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قد طلب من السفير الإيراني في إسلام آباد، رضا أميري مقدم، نقل رسالة إلى القيادة الإيرانية للنظر في عقد جولة مفاوضات مع الولايات المتحدة في أقرب وقت ممكن، خلال لقائهما الأربعة الماضية. وأكد شريف أن التحديات يجب أن تعالج من خلال الحوار والدبلوماسية بدلاً من استخدام القوة، وهو ما يتماشى مع الموقف الإيراني الذي يسعى إلى ترتيبات عملية قابلة للتنفيذ بدلاً من الاتفاقات الشكلية التي أثبتت التجارب السابقة عدم جدواها.
ووفقاً لبيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء الباكستاني، فقد جرى الاتفاق أيضاً على أنه في ضوء الوضع الراهن، ستواصل باكستان وإيران التنسيق الوثيق، وستضطلعان بدور بناء في خفض التوترات الإقليمية. وقد أعرب السفير الإيراني عن تقديره لجهود باكستان في تعزيز السلام، وأبدى رغبة في مواصلة التعاون الوثيق بين البلدين، لكنه أبلغ رئيس الوزراء أن على الولايات المتحدة أن تظهر أولاً جدية جديدة تجاه الحوار، مما يضع الكرة في ملعب واشنطن لإظهار التزامها الحقيقي بالحل الدبلوماسي.


