كشفت تسريبات حديثة نقلها موقع “أكسيوس” عن مسؤولين أمريكيين أن البيت الأبيض يعتقد أنه يقترب من التوصل إلى اتفاق أمريكا وإيران، وهو تفاهم مبدئي يهدف إلى إنهاء مرحلة “الحرب” ووضع إطار لمفاوضات أكثر تفصيلاً حول برنامج طهران النووي. وتترقب واشنطن رداً من طهران على النقاط الرئيسية لهذا التفاهم خلال 48 ساعة القادمة، مما يشير إلى مرحلة حاسمة في العلاقات المتوترة بين البلدين. ويُعتقد أن هذا التفاهم، بصيغته الحالية، سيُعلن نهاية “الحرب” في المنطقة وبداية فترة مفاوضات مكثفة تستمر 30 يوماً.
جذور التوتر: عقود من الصراع والمفاوضات
إن العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران لم تكن يوماً مستقرة، بل شهدت عقوداً من التوتر والصراع، خاصة بعد الثورة الإيرانية عام 1979. تطور البرنامج النووي الإيراني في العقود اللاحقة ليصبح نقطة محورية للخلاف، حيث تشتبه القوى الغربية في سعي طهران لامتلاك أسلحة نووية، بينما تؤكد إيران سلمية برنامجها. بلغت هذه التوترات ذروتها مع توقيع الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA) عام 2015، الذي فرض قيوداً صارمة على البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات الدولية. ومع ذلك، انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018 في عهد إدارة الرئيس دونالد ترامب، وأعادت فرض عقوبات اقتصادية قاسية، مما دفع إيران إلى التراجع تدريجياً عن التزاماتها النووية وزيادة مستويات تخصيب اليورانيوم. أدت هذه الخطوات إلى تصعيد كبير في التوترات الإقليمية، بما في ذلك هجمات على ناقلات النفط في مضيق هرمز، واستهداف منشآت نفطية، وتصاعد الصراعات بالوكالة في اليمن والعراق وسوريا، وهو ما يُشار إليه في سياق التسريبات بـ “الحرب” التي يسعى الطرفان لإنهاءها.
ملامح اتفاق أمريكا وإيران المحتمل: تجميد نووي ورفع عقوبات
وفقاً لمصادر “أكسيوس” ومسؤولين أمريكيين، فإن مذكرة التفاهم الحالية، والمكونة من صفحة واحدة و14 نقطة، تمثل أقرب نقطة وصل إليها الطرفان منذ بدء “الحرب” الحالية. تتضمن الشروط الرئيسية التزام إيران بوقف تخصيب اليورانيوم عند مستويات معينة، بينما توافق الولايات المتحدة على رفع بعض العقوبات والإفراج عن مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المجمدة حول العالم. كما تتضمن المذكرة بنداً يلزم إيران بعدم السعي لامتلاك أسلحة نووية أو القيام بأي أنشطة تتعلق بتسليحها، بالإضافة إلى عدم تشغيل منشآت نووية تحت الأرض. وتطالب واشنطن أيضاً بنظام تفتيش معزز، بما في ذلك عمليات تفتيش مفاجئة من قبل مفتشي الأمم المتحدة. من جانبها، ستلتزم الولايات المتحدة برفع تدريجي للعقوبات المفروضة على إيران، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة. وتُعد إزالة اليورانيوم عالي التخصيب من البلاد أولوية أمريكية رئيسية، وهو ما رفضته طهران سابقاً. وتجري المفاوضات حول مدة تعليق التخصيب، حيث اقترحت إيران 5 سنوات، بينما طالبت الولايات المتحدة بـ 20 عاماً، وتشير التسريبات إلى أن المدة المتداولة حالياً تتراوح بين 12 و15 عاماً. كما تسعى الولايات المتحدة لإدراج بند يسمح بتمديد فترة تعليق التخصيب في حال انتهاك إيران للاتفاق.
تداعيات الاتفاق: استقرار إقليمي وأمن عالمي
إذا تم التوصل إلى اتفاق أمريكا وإيران نهائي، فإن تداعياته ستكون واسعة النطاق على المستويين الإقليمي والدولي. على الصعيد الإقليمي، يمكن أن يؤدي هذا الاتفاق إلى تخفيف حدة التوترات في منطقة الخليج العربي، وربما يفتح الباب أمام حوار أوسع بين دول المنطقة. كما أن ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، وهو ممر مائي حيوي للتجارة العالمية، سيساهم في استقرار أسواق النفط العالمية. أما على الصعيد الدولي، فإن نجاح المفاوضات سيعزز نظام عدم انتشار الأسلحة النووية ويقلل من مخاطر سباق التسلح في الشرق الأوسط. كما سيعكس قدرة الدبلوماسية على حل النزاعات المعقدة، مما يعيد بعض المصداقية للسياسة الخارجية الأمريكية بعد سنوات من الانسحاب من الاتفاقيات الدولية. ومع ذلك، يرى بعض المسؤولين الأمريكيين أن القيادة الإيرانية منقسمة، مما قد يجعل التوصل إلى توافق نهائي أمراً صعباً، ويترك الباب مفتوحاً أمام تجدد “الحرب” أو حالة من الجمود الممتد. يبقى العالم بأسره يترقب الساعات القادمة لمعرفة ما إذا كانت الدبلوماسية ستنتصر هذه المرة في إنهاء أحد أطول الصراعات الجيوسياسية في العصر الحديث.


