يثير غياب وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، عن مفاوضات الملف الإيراني البارزة تساؤلات عديدة حول طبيعة الدبلوماسية الأمريكية المعاصرة ودور الوزير التقليدي. ففي ظل إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، التي شهدت انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني (خطّة العمل الشاملة المشتركة) وتصاعد التوترات مع طهران، كان من المتوقع أن يكون وزير الخارجية في صدارة الجهود الدبلوماسية. لكن ما لوحظ هو اعتماد الإدارة على شخصيات أخرى، مما دفع العديد من المحللين للتساؤل: هل انتهى الدور التقليدي لوزارة الخارجية، أم أن غياب الوزير كان خيارًا سياسيًا مدروسًا؟
الخلفية التاريخية للملف النووي الإيراني وتحول الدبلوماسية
يعود الملف النووي الإيراني إلى عقود مضت، حيث أثار البرنامج النووي الإيراني مخاوف دولية بشأن احتمالية تطوير أسلحة نووية. بلغت هذه المخاوف ذروتها في عام 2015 مع توقيع الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة 5+1 (الولايات المتحدة، روسيا، الصين، فرنسا، المملكة المتحدة، وألمانيا)، والذي هدف إلى تقييد البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات الاقتصادية. ومع وصول دونالد ترامب إلى الرئاسة الأمريكية في عام 2017، تبنت إدارته نهجًا مختلفًا تمامًا، حيث انسحبت من الاتفاق في عام 2018 وأعادت فرض عقوبات اقتصادية قاسية على إيران، داعية إلى اتفاق جديد أكثر شمولية. هذا التحول في السياسة الأمريكية أدى إلى تصعيد كبير في التوترات الإقليمية والدولية، مما جعل الحاجة إلى الدبلوماسية أكثر إلحاحًا، وإن كانت بطرق غير تقليدية.
الدبلوماسية غير التقليدية ودور الشخصيات المحيطة بالرئيس
مجلة «نيوزويك» وغيرها من وسائل الإعلام أشارت إلى أن إدارة ترامب كانت تميل إلى «خصخصة» السياسة الخارجية وإسنادها إلى أشخاص يثق بهم الرئيس شخصيًا، مثل مستشاره وصهره جاريد كوشنر. كان كوشنر، بخلفيته في عالم الأعمال، يقود جهود التفاوض في قضايا حساسة ليس فقط مع إيران، بل أيضًا في أوكرانيا والشرق الأوسط وروسيا. هذا النهج قلل من الدور التقليدي لوزير الخارجية، مايك بومبيو، الذي كان يُنظر إليه على أنه شخصية ذات نفوذ واسع داخل الإدارة، لكنه لم يكن دائمًا الواجهة الرئيسية في المفاوضات الأكثر حساسية. صحيفة «فايننشال تايمز» كشفت أن بومبيو لم يقم سوى بـ71 يومًا من السفر منذ توليه منصبه، وهو المعدل الأقل لأي وزير خارجية أمريكي في هذا القرن، مما يعكس هذا التحول في أولويات الدبلوماسية.
الدوافع الخفية وراء غياب وزير الخارجية الأمريكي
تبرير بومبيو لقلة سفره كان يرتكز على فكرة أن قادة العالم يأتون إليه في واشنطن، مما يمكنه من عقد لقاءات مكثفة في مكان واحد. لكن خلف هذا التبرير، تبرز حسابات سياسية أعمق. يُنظر إلى بومبيو على أنه أحد الطامحين الجدد للترشح للرئاسة في عام 2028، تمامًا مثل نائب الرئيس السابق مايك بنس. يرى بعض المحللين أن نجاح مفاوضات إيران قد يُعد انتصارًا كبيرًا لنائب الرئيس، بينما فشلها قد يُلقي بظلاله على أي شخص مرتبط بها. في هذا السياق، قد يكون غياب وزير الخارجية الأمريكي عن مفاوضات إيران استراتيجية لتجنب الارتباط المباشر بنتائج قد تكون غير مضمونة، والتركيز بدلاً من ذلك على مناطق يمكنه تحقيق انتصارات دبلوماسية واضحة فيها، مثل أمريكا اللاتينية (فنزويلا وكوبا ونيكاراغوا)، حيث يمكنه بناء سجل إنجازات شخصي يعزز حظوظه السياسية المستقبلية.
تداعيات الغياب على المشهد الإقليمي والدولي
إن تهميش الدور التقليدي لوزير الخارجية في قضايا بهذا الحجم له تداعيات كبيرة على السياسة الخارجية الأمريكية ومكانتها الدولية. فغياب رأس الدبلوماسية الأمريكية عن مفاوضات حساسة مثل الملف الإيراني قد يبعث برسالة مفادها أن الولايات المتحدة تفضل القنوات الخلفية أو الشخصيات غير الرسمية، مما قد يؤثر على ثقة الشركاء الدوليين ويضعف من فعالية المؤسسات الدبلوماسية. على الصعيد الإقليمي، يمكن أن يؤدي هذا النهج إلى زيادة حالة عدم اليقين وتصعيد التوترات، خاصة في منطقة الشرق الأوسط التي تشهد بالفعل اضطرابات كبيرة. كما أن الاعتماد على الدبلوماسية الشخصية قد يجعل السياسة الخارجية أكثر عرضة للتقلبات والتغيرات مع تبدل الإدارات، مما يفتقر إلى الاستمرارية والثبات الذي توفره المؤسسات الدبلوماسية التقليدية.


