أكد الرئيس اللبناني ميشال عون، في تصريحات حاسمة، أنه لن يقبل بالوصول إلى «اتفاقية ذل» مع إسرائيل، مشدداً على أن هدف الدولة اللبنانية هو إنهاء حالة الحرب عبر مفاوضات لبنان وإسرائيل التي تسعى لإرساء اتفاقية الهدنة. وتساءل عون مستنكراً: «هل اتفاقية الهدنة كانت ذلاً؟» في إشارة إلى الاتفاق الذي وُقع عام 1949. وشدد الرئيس عون على أن ما تقوم به الدولة «ليس خيانة»، مؤكداً أن «الخيانة يرتكبها من يأخذ بلده إلى الحرب تحقيقاً لمصالح خارجية». جاءت هذه التصريحات أمام وفد من حاصبيا والعرقوب، حيث أوضح عون أن الدولة اللبنانية أبلغت الجانب الأمريكي، الذي يقوم بمساعي حميدة ومشكورة منذ اللحظة الأولى، أن وقف إطلاق النار هو خطوة أولى ضرورية لأي مفاوضات لاحقة، وهو موقف تكرر في الجلستين اللتين عقدتا على مستوى السفراء في 14 و23 أبريل.
خلفية تاريخية: صراع مستمر ومساعي للتهدئة
تأتي تصريحات الرئيس عون في سياق تاريخ طويل من الصراع والتوتر بين لبنان وإسرائيل، حيث لا تزال الدولتان في حالة حرب رسمياً منذ عام 1948. اتفاقية الهدنة لعام 1949، التي أشار إليها عون، كانت تهدف إلى وقف الأعمال العدائية وتحديد خطوط الفصل المؤقتة، لكنها لم ترقَ إلى مستوى اتفاق سلام شامل. على مر العقود، شهدت الحدود اللبنانية الإسرائيلية العديد من التصعيدات العسكرية والنزاعات، مما جعل قضية ترسيم الحدود البرية والبحرية نقطة خلاف جوهرية. هذه الخلفية المعقدة تزيد من حساسية أي حديث عن مفاوضات لبنان وإسرائيل، وتجعل من الضروري أن تكون أي خطوة نحو التهدئة أو الاتفاق مدعومة بإجماع وطني قوي لضمان شرعيتها واستدامتها.
ولفت عون إلى أن هذا الأمر ورد بشكل واضح في البيان الصادر عن الخارجية الأمريكية بعد الجلسة الأولى، والذي أكده لبنان، ونص في فقرته الثالثة على أنه «لن تقوم إسرائيل بأي عمليات عسكرية هجومية ضد أهداف لبنانية بما في ذلك الأهداف المدنية والعسكرية وغيرها من أهداف الدولة في الأراضي اللبنانية براً وبحراً وجواً». وشدد على أن هذا هو الموقف الرسمي للدولة اللبنانية، وأن ما يحصل في بيروت أو واشنطن، وأي كلام آخر، غير معنيين به ولا يوجد أي تغطية رسمية لبنانية له.
أهمية مفاوضات لبنان وإسرائيل: أبعاد اقتصادية وسياسية
تكتسب مفاوضات لبنان وإسرائيل أهمية بالغة تتجاوز مجرد ترسيم الحدود، لتشمل أبعاداً اقتصادية وسياسية عميقة. فلبنان، الذي يمر بأزمة اقتصادية خانقة، يرى في استكشاف موارده النفطية والغازية في البحر فرصة حيوية للإنعاش الاقتصادي. النزاع على الحدود البحرية مع إسرائيل يعيق هذه الجهود، مما يجعل التوصل إلى اتفاق حول ترسيم الحدود أمراً حيوياً لمستقبل لبنان الاقتصادي. على الصعيد الإقليمي، يمكن أن تسهم أي خطوة نحو التهدئة في تخفيف التوترات في منطقة الشرق الأوسط، التي تشهد صراعات متعددة. كما أن استقرار الحدود الجنوبية للبنان له تأثير مباشر على الأمن الإقليمي والدولي، ويقلل من فرص التصعيد الذي قد يجر أطرافاً أخرى إلى الصراع.
وفيما يتعلق بالانتقادات الموجهة لمسار التفاوض، قال عون: «يحاسبنا البعض أننا اتخذنا قرار الذهاب إلى المفاوضات بحجة عدم وجود إجماع وطني، وأنا أسأل: هل عندما ذهبتم إلى الحرب، حظيتم أولاً بالإجماع الوطني؟». وأضاف: «قبل بدء المفاوضات، بدأ البعض بتوجيه سهام الانتقادات والتخوين، والادعاء أننا نذهب إلى المفاوضات مستسلمين، نقول لهؤلاء انتظروا لتبدأ المفاوضات واحكموا على النتيجة». وتناول الرئيس عون أوضاع الجنوب، متسائلاً: «إلى متى سيظل أبناء الجنوب يدفعون ثمن حروب الآخرين على أرضنا، وآخرها حربي إسناد غزة وإيران؟».
موقف عون: سيادة وطنية ورفض للتبعية
أكد الرئيس عون أنه لو كانت الحرب تحصل من أجل لبنان، لكانت أيدينا فيها، ولكن حين يكون هدف الحرب تحقيقاً لمصلحة الآخرين، فإنه يرفض الحرب تماماً. وشدد مجدداً على أن ما تقوم به الدولة ليس خيانة، مؤكداً أن «الخيانة يرتكبها من يأخذ بلده إلى الحرب تحقيقاً لمصالح خارجية». واختتم عون حديثه بالقول: «واجبي هو أن أتحمل مسؤولية قراري وأقود البلاد إلى طريق الخلاص، ضمن الثوابت التي أكدت عليها».


