بانقضاء يوم أمس الأحد، تجاوزت القوى العراقية السقف الزمني الذي حدده الدستور لتكليف مرشح لرئاسة الوزراء، لتجد البلاد نفسها في مواجهة شبح الفراغ الدستوري في العراق. هذا التطور يعيد إلى الأذهان تحديات بناء التوافق السياسي التي طالما عانت منها الساحة العراقية منذ عام 2003، ويضع مستقبل الحكومة الجديدة في مهب الريح، مهدداً بمزيد من عدم الاستقرار في بلد يواجه أصلاً تحديات جمة.
ويعزو مراقبون هذا الإخفاق إلى خلافات وانقسامات عميقة داخل كتلة «الإطار التنسيقي» الشيعية، التي عجزت حتى الآن عن الاتفاق على مرشح لرئاسة الوزراء خلال مهلة الـ15 يوماً الممنوحة لرئيس الجمهورية بعد انتخابه. هذه المهلة، التي نصت عليها المادة 76 من الدستور، انتهت دون التوصل إلى توافق، مما أدى إلى تأجيل اجتماعات الإطار التنسيقي أربع مرات خلال أسبوع، وصولاً إلى انتهاء التوقيتات الدستورية. وتبرز الخلافات داخل تحالف الإطار التنسيقي بين تيارين؛ أحدهما يتمسك بترشيح قيادة الخط الأول لضمان انتقال الحكومة سياسياً، وآخر يدفع باتجاه خيار التسوية لتجنب الاصطدام بالرفض الدولي أو الشعبي.
جذور الأزمة: تحديات بناء التوافق في العراق
إن الفراغ الدستوري في العراق ليس ظاهرة جديدة، بل هو نتاج لتحديات هيكلية متأصلة في النظام السياسي العراقي ما بعد 2003. فبعد سقوط النظام السابق، تم بناء نظام حكم يعتمد على المحاصصة الطائفية والعرقية، مما جعل عملية تشكيل الحكومات تتطلب توافقات معقدة بين الكتل السياسية المختلفة. هذا النموذج، ورغم محاولاته لضمان تمثيل جميع المكونات، غالباً ما يؤدي إلى جمود سياسي وصعوبة في اتخاذ القرارات، خاصة عند اختيار المناصب السيادية كمنصب رئيس الوزراء. لقد شهد العراق فترات طويلة من الجمود السياسي في الماضي، كان أبرزها الأزمة التي أعقبت انتخابات 2021، والتي استمرت لأكثر من عام كامل قبل التوصل إلى اتفاق على حكومة محمد شياع السوداني الحالية. هذه السوابق التاريخية تزيد من القلق الحالي، حيث أن تكرارها قد يؤدي إلى تآكل الثقة الشعبية في العملية السياسية.
وبحسب مصادر مقربة، فقد جرى تداول أسماء عدة في أروقة التحالف الحاكم في مسعى لكسر الجمود؛ إذ برز اسم باسم البدري مرشحاً «تسوية» يحظى بدعم نوري المالكي بديلاً عنه، بعد تراجع حظوظ الأخير إثر «الفيتو» الأمريكي الصريح. إلا أن البدري لم يحظَ بالإجماع المطلوب. بالتزامن مع ذلك، لا يزال اسم رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني مطروحاً بقوة كخيار للاستمرار، وسط انقسام داخلي حول منحه ولاية ثانية. فيما تتردد أسماء أخرى مثل حيدر العبادي وقاسم الأعرجي ومحمد صاحب الدراجي كخيارات «اللحظة الأخيرة»، التي قد تحظى بقبول وطني ودولي أوسع للخروج من مأزق الفراغ الدستوري.
تداعيات الفراغ الدستوري: أبعاد محلية وإقليمية
إن استمرار الفراغ الدستوري في العراق يحمل في طياته تداعيات خطيرة على مستويات متعددة. محلياً، يؤثر غياب حكومة بصلاحيات كاملة على قدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين، وتنفيذ المشاريع التنموية، ومعالجة التحديات الاقتصادية الملحة. كما يمكن أن يؤدي إلى تدهور الوضع الأمني، خاصة في ظل وجود بؤر توتر داخلية وخارجية. على الصعيد الإقليمي، يثير عدم الاستقرار في العراق قلق دول الجوار والمنطقة بأسرها، نظراً لموقع العراق الجيوسياسي الهام ودوره في التوازنات الإقليمية. أي فراغ سياسي طويل الأمد قد يفتح الباب أمام تدخلات خارجية أو استغلال من قبل قوى غير مستقرة. دولياً، تراقب القوى الكبرى الوضع عن كثب، حيث أن العراق شريك أساسي في مكافحة الإرهاب وله أهمية في أسواق الطاقة العالمية. عدم وجود حكومة مستقرة يعرقل جهود التعاون الدولي ويؤثر على الاستثمارات الأجنبية، مما يزيد من تعقيد المشهد العام.
وبعد انتهاء المهلة الدستورية وانقضاء الـ 15 يوماً التي نصت عليها المادة 76 من الدستور منذ انتخاب الرئيس نزار أميدي، تجد السلطة التنفيذية نفسها أمام مأزق شرعي يعيد للأذهان سيناريوهات الانسداد السياسي الأسوأ في تاريخ البلاد. ومع دخول العراق في حالة الفراغ السياسي جراء الفشل في تسمية مرشح لرئاسة الحكومة، يبرز شبح أزمة عام 2021 التي استمرت عاماً كاملاً وانتهت بالتوافق على السوداني. إلا أن الظروف الراهنة تبدو أكثر تعقيداً في ظل تحذيرات قيادات سياسية من خطورة الأوضاع الإقليمية والدولية، التي لا تحتمل ترف الانتظار الطويل أو غياب حكومة بصلاحيات كاملة. وبانقضاء المهلة الدستورية، يبقى المشهد العراقي الآن مفتوحاً على مختلف الاحتمالات، وسط ترقب شعبي ودولي لإيجاد مخرج سياسي لمصير الحكومة القادمة.


