spot_img

ذات صلة

جندي أمريكي يكشف كواليس مقتل بن لادن في 9 دقائق حاسمة

بعد مرور خمسة عشر عاماً على واحدة من أهم العمليات العسكرية في التاريخ الحديث، كشف عنصر سابق في قوات النخبة البحرية الأمريكية (Navy SEAL)، شارك في العملية التي انتهت بمقتل زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، تفاصيل غير مسبوقة عن كواليس مقتل بن لادن. أكد الجندي المتقاعد روبرت أونيل أن الدافع الأساسي لهذه المهمة الجريئة كان الانتقام لضحايا هجمات 11 سبتمبر 2001، واصفاً العملية بأنها كانت “ثأراً للضحايا” وليست مجرد بحث عن مكافأة أو مجد. هذه الرواية تقدم لمحة عميقة عن التخطيط الدقيق والشجاعة الفائقة التي اتسمت بها هذه المهمة التي غيرت مسار الحرب على الإرهاب.

رحلة مطاردة زعيم القاعدة: السياق التاريخي

لفهم الأهمية القصوى لعملية مقتل أسامة بن لادن، يجب العودة إلى السياق التاريخي الذي سبقها. ففي الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، شهد العالم سلسلة من الهجمات الإرهابية المروعة على الأراضي الأمريكية، والتي خطط لها ونفذها تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن. أسفرت تلك الهجمات عن مقتل ما يقرب من 3000 شخص، وتدمير برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، وإلحاق أضرار جسيمة بالبنتاغون، وسقوط طائرة رابعة في بنسلفانيا. كانت هذه الأحداث بمثابة نقطة تحول في السياسة الخارجية الأمريكية، حيث أطلق الرئيس جورج دبليو بوش “الحرب على الإرهاب” بهدف القضاء على القاعدة وزعيمها. استمرت مطاردة بن لادن لأكثر من عقد من الزمان، وشملت عمليات استخباراتية وعسكرية واسعة النطاق في أفغانستان وباكستان، مما جعل القبض عليه أو قتله أولوية قصوى للأمن القومي الأمريكي والعالمي.

الاستعداد لمهمة مستحيلة: التدريب والتحديات

أوضح أونيل أن الفريق أُبلغ بالمهمة قبل تنفيذها بثلاثة أسابيع فقط، دون الكشف عن أي معلومات حساسة، بما في ذلك الهدف أو الدولة المستضيفة أو الدعم العسكري. أُخبروا ببساطة: “هناك شيء ما في منزل داخل منطقة جبلية، وعليكم الذهاب لإحضاره”. أكد أونيل أن غياب المعلومات كان بحد ذاته “إجابة مطمئنة” لطبيعة المهمة الحساسة. خضع الفريق لتدريبات مكثفة على نموذج مطابق لمنزل بن لادن، مع سيناريوهات متعددة تشمل الفشل أو الاشتباك أو الانفصال داخل الموقع. استخدمت في العملية مروحيات متطورة من طراز “بلاك هوك”، لم تكن معروفة حتى على نطاق واسع داخل الإدارة الأمريكية آنذاك، وفقاً لروايته. أشار أونيل إلى أن أحد أفراد الفريق سقط خلال التدريب بسبب عطل في المروحية، وهو ما حدث بالفعل أثناء التنفيذ، مما يؤكد دقة التخطيط والتحضير لكل الاحتمالات.

لحظات الوداع والاستعداد للموت

أكد الجندي السابق أن الفريق تعامل مع المهمة على أنها “ذهاب بلا عودة”، مضيفاً: “لم نكن خائفين من الموت، بل مستعدين له”. كشف أن بعض العناصر ناقشوا احتمالية عدم العودة، وأن الدافع الحقيقي كان “العدالة لضحايا الطائرة الرحلة 93” وغيرها من ضحايا 11 سبتمبر. تحدث أونيل عن أصعب لحظة قبل تنفيذ المهمة، وهي وداع عائلته، قائلاً: “كنت أعتقد أنني لن أعود”. وأضاف أن ابنته الصغيرة طلبت منه أن يأخذها في رحلة عند عودته، وهو ما جعله يواجه احتمال الرحيل بلا رجعة بشعور أعمق.

تسع دقائق حاسمة: اقتحام المجمع ومواجهة بن لادن

انتظر الفريق في قاعدة بغرام الجوية الأفغانية حتى صدر الأمر النهائي، مع الحفاظ على السرية التامة لتجنب كشف العملية. اختير تنفيذ المهمة ليلاً، في ظلام دامس، لضمان التفوق التكتيكي، على الرغم من المخاطر المرتبطة باختراق الأجواء الباكستانية. أشار أونيل إلى وجود مخاوف من تدخل القوات الباكستانية أثناء العملية، مع تعليمات واضحة بتجنب الاشتباك مع الشرطة المحلية. كانت القيادة الأمريكية مستعدة للتصعيد في حال تعرض الفريق للخطر، مؤكدة أن “الاستسلام لم يكن خياراً”.

بعد الهبوط في تمام الساعة 12:30 فجراً، استغرقت العملية بأكملها نحو تسع دقائق فقط. اقتحم الفريق المجمع وسط توقعات بوجود تفجيرات أو مقاومة مسلحة. بعد اشتباك مع نجل بن لادن، وصل عناصر الفريق إلى الطابق العلوي حيث كان زعيم القاعدة يقف خلف زوجته. تعرف أونيل على بن لادن فوراً وأطلق عليه ثلاث رصاصات في الرأس باستخدام بندقية هجومية، مؤكداً أن الهدف كان منع أي محاولة لتفجير نفسه أو تنفيذ هجوم مضاد. بعد كواليس مقتل بن لادن، أُعلن عن وفاته بكلمة السر “جيرونيمو”، وبدأ الفريق بجمع أجهزة الكمبيوتر والوثائق الاستخباراتية من داخل المجمع، بينما تم تفجير المروحية المتضررة لمنع وقوعها في أيدي السلطات الباكستانية.

العودة المحفوفة بالمخاطر وتداعيات العملية

أوضح أونيل أن أخطر مراحل العملية كانت رحلة العودة الجوية، التي استمرت 90 دقيقة فوق الأراضي الباكستانية، وسط مخاوف من اعتراض الطائرات الباكستانية. اعتبر أفراد الفريق لحظة دخولهم الأجواء الأفغانية بمثابة “لحظة النجاة الحقيقية”. أعرب أونيل عن ندمه الوحيد، حسب قوله، على دفن بن لادن في البحر بعد مقتله، معتبراً أن ذلك حرم الأمريكيين من “محاسبة رمزية علنية”.

نفذت عملية “رمح نبتون” في 2 مايو 2011، بأمر مباشر من الرئيس الأمريكي آنذاك باراك أوباما، لتنهي بذلك مطاردة استمرت قرابة عقد من الزمان لزعيم تنظيم القاعدة المسؤول عن هجمات 11 سبتمبر. كان لهذه العملية تأثيرات عميقة على الصعيدين المحلي والدولي. محلياً، مثلت العملية إغلاقاً لصفحة مؤلمة في تاريخ الولايات المتحدة، ورفعت الروح المعنوية للشعب الأمريكي، وأكدت قدرة الولايات المتحدة على ملاحقة أعدائها أينما كانوا. دولياً، وجهت ضربة قاصمة لتنظيم القاعدة، وأضعفت قدرته على التخطيط لهجمات واسعة النطاق، وأرسلت رسالة واضحة بأن الإرهابيين لن يفلتوا من العقاب. كما أثرت العملية على العلاقات الأمريكية الباكستانية، حيث أثارت تساؤلات حول مدى معرفة باكستان بمكان اختباء بن لادن.

إرث العدالة والإنسانية

اختتم أونيل شهادته بالتأكيد على أن العملية لم تكن بدافع الانتقام فحسب، بل كانت “رداً إنسانياً” لضحايا الهجمات. قال: “كنا نقاتل من أجل أشخاص عاديين، لم يكن ينبغي أن يموتوا بهذه الطريقة”. هذه الكلمات تلخص الدافع العميق وراء المخاطرة بحياة هؤلاء الجنود، ليس فقط لتحقيق العدالة، بل لتأكيد قيمة الحياة الإنسانية وحماية الأبرياء من ويلات الإرهاب. تظل عملية مقتل بن لادن علامة فارقة في تاريخ مكافحة الإرهاب، تذكرنا بالتضحيات الجسيمة والجهود الاستخباراتية والعسكرية الهائلة التي تبذل لضمان الأمن العالمي.

spot_imgspot_img