تعتبر كتابة المذكرات اليومية واحدة من أقدم وأجمل العادات الإنسانية التي تتيح للفرد توثيق تفاصيل حياته ومشاعره وأفكاره قبل أن تتلاشى في زحام العمر. تبدأ هذه رحلة التدوين غالباً بشغف طفولي أو فضول شبابي، تماماً كما حدث مع الكاتب الذي استهل مسيرته الأدبية والعلمية عندما هبط إلى مدينة الطائف في مقتبل العمر. فبعد أن باع المحصول الزراعي الذي كلفه به والده -رحمه الله- لنقله من قريتهم إلى الطائف، دلف إلى مكتبة في وسط السوق ليشتري بعض الكتب، وهناك عثر على نوتة صغيرة مخصصة لتسجيل اليوميات والقبض على الأفكار الشاردة قبل تبخرها، لتكون تلك اللحظة هي الخطوة الأولى في مسيرته الطويلة مع التدوين.
أسرار التشفير الكيميائي في كتابة المذكرات اليومية
تطورت العلاقة بين الكاتب ودفاتره لتصبح أكثر عمقاً وحميمية مع مرور السنوات، حيث صار يسجل فيها كل تفاصيل حياته اليومية وعلاقاته بالأسرة والقبيلة. ومع دخوله معترك العمل الصحفي، تحولت هذه النوتات إلى رفيق دائم في الحل والترحال، تلخص المواقف والمفارقات اليومية، وتضم مواعيد الاختبارات وملاحظات أساتذة الجامعة. ولكن، خوفاً من وقوع هذه الأسرار والآراء الشخصية حول الآخرين في يد عابثة، قرر الكاتب -مستعيناً بخلفيته ككيميائي- ابتكار نظام تشفير فريد؛ حيث استبدل الأرقام والحروف بعناصر كيميائية (مثل الهيدروجين للرقم واحد، والهيليوم للرقم اثنين)، لتصبح مذكراته أشبه بشفرة مورس أو لغة مخابراتية عتيدة لا يمكن لأحد فك رموزها بسهولة.
التوثيق الشخصي كمرآة للتحولات الاجتماعية والثقافية
تاريخياً، لعب التدوين الشخصي دوراً محورياً في حفظ التراث غير المادي للمجتمعات العربية وتوثيق تحولاتها. فالمذكرات ليست مجرد خواطر ذاتية معزولة، بل هي وثائق حية ترصد تحولات البيئة المحلية والقبيلة والحركة الثقافية على مدى عقود. وبالعودة إلى هذه الدفاتر القديمة التي مر عليها عقود طويلة، نجد مادة غنية تروي قصة جيل كامل عاصر الانتقال من بساطة الحياة الريفية إلى صخب المدن، وتتبع صيرورة الحياة وتطور الأفكار والقناعات الشخصية عبر الزمن، مما يمنح الكاتب قدرة فريدة على مراجعة ذاته بعين الناقد المحايد الذي ينظر إلى النص وكأنه لشخص آخر.
من عبق الحبر والورق إلى برودة الشاشات الرقمية
مع الثورة التكنولوجية المعاصرة، تراجع دور الدفاتر الورقية التقليدية لصالح الأجهزة الذكية والتطبيقات الرقمية. ورغم أن الجوال بات يقوم بدور السكرتير والصديق والأنيس، ويوفر ميزات هائلة مثل البحث الفوري والنسخ والمشاركة، إلا أن هذا التحول الرقمي أفقدنا بهجة ملموسة. لقد اختفت رائحة الحبر، وملمس الورق، وفرحة انتظار النسخ المطبوعة من الجرائد والمجلات التي كانت تمتد لأسابيع وأشهر. هذا التأثير الثقافي يمتد محلياً وإقليمياً، حيث يعيد تشكيل علاقة الأجيال الجديدة بالكتابة والقراءة. ومع ذلك، تظل تلك النوتات القديمة الكنز الحقيقي والملهم الأساسي للكاتب في صياغة سيرته الذاتية المليئة بالأحداث والشقاء والأمل، مستعيناً بنوتاته الصديقات الجميلات التي لا تقدر بثمن.


