في حوار فكري عميق يثير جدلاً واسعاً، يؤكد الكاتب يوسف الديني أن تبرئة كتبة التراث وهْم، داعياً إلى ضرورة التعامل مع التراث بمنهجية نقدية وعقلانية. يرى الديني أن النصوص التراثية، على عظمتها وأهميتها، هي نتاج بشري لظروف تاريخية وثقافية معينة، ولا يمكن التعامل معها كحقائق مطلقة أو نصوص مقدسة بمعزل عن سياقاتها. هذا الطرح يفتح الباب أمام إعادة قراءة جذرية لموروثنا الثقافي والفكري، بعيداً عن التقديس أو الإقصاء.
التراث: نتاج بشري في سياقه التاريخي
إن فهم التراث الإسلامي والعربي يتطلب إدراكاً عميقاً للخلفية التاريخية التي نشأ فيها. فكتبة التراث، من فقهاء ومحدثين وفلاسفة وأدباء، كانوا يعيشون في عصورهم، يتفاعلون مع تحدياتها السياسية والاجتماعية والفكرية. نصوصهم كانت تعبيراً عن قناعاتهم وثقافاتهم الخاصة، ومحاولة لمعالجة قضايا زمانهم. فمثلاً، الكثير من نصوص “الأزمة” التي يشير إليها الديني، والتي تتناول الصراعات على الشرعية ونزاعات السلطة، كانت تُكتب في لحظات مفصلية من تاريخنا الثقافي والفكري، ثم جرى نزعها من سياقها التاريخي الخاص لتُستخدم لاحقاً في مراحل صراع أخرى، محوّلةً الثقافة المعارضة للتهديد إلى نصوص حمائية. هذه البيئة الخصبة للنصوص المتكررة نجدها في كل الأزمنة، في سجلات الملل والنحل، والصراعات الكلامية، وأدبيات الأحكام السلطانية، التي تعود مجدداً كنصوص أزمة، ومحاولات لإعادة إنتاجها مع تبدل اللغة والعبارة والإقناعية.
مخاطر التعامل غير النقدي مع التراث
يحذر يوسف الديني من مخاطر تحويل التراث إلى أداة تعبئة وتحشيد قصري، أو إلى سلطة رمزية للقفز على السلطة الواقعية. عندما يُستدعى الماضي لاستخدامه وتكراره قبل فهمه، يتحول التراث من موضوع للقراءة إلى أداة تعبئة وتحشيد قصري ضد منطق الحياة الذي يفترض التجدد والاستمرارية. هذه الرؤية التقليدية للتراث، التي تبرئ كتبته من أي خطأ أو انحياز، تخلق أصناماً معرفية تعيق التفكير النقدي وتكرس الجمود. فالتراث ليس متحفاً مقدساً، كما أنه ليس حطاماً بالياً يجب التخلص منه ببساطة. إنه تجربة تاريخية ضخمة تستحق القراءة المتأنية والهادئة دون أي دوافع انتقائية أو قيمية. إن التعامل مع التراث ككتلة واحدة منزوعة عن سياقها التاريخي، متعالية على واقعها، وكأنها أُنتجت خارج التفاعل البشري الطبيعي، يحول بعض صيغ التراث البشري إلى أصنام معرفية.
نحو مقاربة متوازنة: التراث كإضافة ثرية
يدعو الديني إلى التعامل مع التراث بوصفه أنساقاً لأطياف عدة داخل طبقات وتيارات متنوعة ومتعارضة، تحاول المزاوجة بين العقل والوجدان، والتجربة الروحية وصرامة السؤال الفلسفي. هذا التنوع جزء أصيل من تكويننا، ويمكننا أن نستعين بما يبقى حياً داخلنا ليمنحنا أهمية أساسية “الديمومة الحضارية” والاتصال الهوياتي الذي لا يُمحى ولا يمكن تأليهه. التراث كله خير إذا عاملناه باعتباره ابن ظرفه وأسئلة زمنه، نتعامل معه كجزء من الإضافة الثرية للسيرورة البشرية في التعامل مع واقعها. لكن عندما يراد له أن يصبح حاكماً بشروط صدوره نفسها، وحلاً خارج سياقه، ويفرض على واقع جديد، تبدأ المشكلة. إن التراث ليس متحفاً مقدساً كما أنه ليس حطاماً بالياً يجب التخلص منه ببساطة، بل هو خبرة تاريخية ضخمة تستحق القراءة المنصفة والهادئة دون أي دوافع انتقائية أو قيمية.
تأثير الرؤية النقدية على الواقع المعاصر
إن تبني مقاربة نقدية في التعامل مع التراث له تأثيرات عميقة على مجتمعاتنا اليوم. محلياً، يمكن أن يعزز الحوار الفكري ويفتح آفاقاً للتجديد الديني والاجتماعي، بعيداً عن التشدد والجمود. إقليمياً، قد يسهم في حل النزاعات الفكرية التي تتغذى على التفسيرات الضيقة للتراث، ويشجع على بناء هوية ثقافية أكثر مرونة وتسامحاً. دولياً، يقدم هذا النهج صورة أكثر نضجاً وحضارية للعالم العربي والإسلامي، تتجاوز الصور النمطية التي تربط التراث بالعنف أو التخلف. إن فهم أن كتبة التراث لم يكونوا ملائكة خارج سياق التاريخ، وأن لهم انحيازاتهم المفهومية والسياسية والمذهبية والاجتماعية، يحررنا من وهم التقديس ويفتح المجال لإعادة تقييم شاملة لموروثنا بما يخدم تطلعاتنا المستقبلية.
تجاوز ثورية التراث: نحو فهم أعمق
إن الحل ليس في “إدانة” التراث أو وصفه بـ”الثوري” بشكل سلبي، بل في تحريره من الاستخدام التعبوي وإعادته إلى مجاله الطبيعي: مجال الفهم والقراءة وليس التحشيد والتفخيخ. من يحولون التراث إلى أسلحة آنية، معزولون عن الواقع ويردون فعلاً لنهاية عصر القوميات الكبرى. إن التطرف، الذي يغذيه سوء التعامل مع التراث، يعبر غالباً عن فشل حياة مدنية في كنف دولة مؤسسات قوية. كلما قويت مؤسسات الدولة، تضاءلت فرص تحول التطرف الكامن إلى واقع. إن التطرف “العرضي” يتغذى على جذوره المرضية، وهي في غالبها شعورية نحو امتلاك الحقيقة وتصور خاص للعالم، والحل على شكل خلاصي. محاولات تفسير العنف بالإسلام قاصرة، لأن العنف، كما رأينا في تجليات عنفية غير دينية، هو فكرة مسيطرة تبحث عن لغة عليا ربما تكون دينية أو قومية أو ماركسية. المشكلة هي أزمة معنى أكثر من مجرد خطاب ديني منفلت أو متشدد (فقط) التفقيط معضلة في تفسير الظواهر المعقدة.


