في عصر التحول الرقمي.. قرى معزولة عن الخدمات
في الوقت الذي تمضي فيه المملكة العربية السعودية بخطى متسارعة نحو تحقيق أهداف رؤية 2030، التي ترتكز بشكل أساسي على التحول الرقمي وتوفير بنية تحتية تقنية متطورة، يجد أهالي القرى الواقعة شرق محافظة أحد رفيدة أنفسهم في عزلة شبه تامة عن هذا الركب الحضاري. المعاناة من ضعف الشبكة في أحد رفيدة لم تعد مجرد مشكلة تقنية عابرة، بل أصبحت عائقاً أساسياً يحول دون وصولهم إلى أبسط الخدمات اليومية، ويخلق فجوة رقمية تؤثر على مستقبل أبنائهم التعليمي وحياتهم العملية.
تأتي هذه الأزمة في سياق تاريخي شهد تحولاً جذرياً في اعتماد المجتمع السعودي على الخدمات الإلكترونية، خاصة بعد جائحة كورونا التي رسّخت أهمية الاتصال بالإنترنت للتعليم عن بعد، والخدمات الحكومية، والتجارة الإلكترونية. وبينما أصبحت هذه الخدمات جزءاً لا يتجزأ من حياة سكان المدن، لا يزال سكان شرق أحد رفيدة يضطرون لقطع مسافات طويلة بحثاً عن إشارة جوال تمكّنهم من إنجاز معاملة بنكية أو متابعة أبنائهم دراسياً، مما يعكس تبايناً صارخاً في الوصول إلى الخدمات الأساسية.
مبادرة مجتمعية لكسر الحصار الرقمي
وسط مطالبات متكررة لشركات الاتصالات والجهات المعنية على مدى سنوات، برزت مبادرة مجتمعية تعكس حجم اليأس والرغبة في إيجاد حل. حيث أعلن المواطن سعد بن زابن الشواطي عن تبرعه بقطعة أرض يملكها بصك شرعي لمدة خمس سنوات مجاناً، بهدف وحيد هو إنشاء برج اتصالات يخدم آلاف السكان والمتنزهين في المنطقة. هذه المبادرة لا تمثل فقط حلاً مقترحاً، بل هي صرخة مدوية تسلط الضوء على تقاعس الجهات المسؤولة عن توفير حق أساسي للمواطنين.
وأوضح الشواطي أن السكان يعيشون معاناة يومية في سبيل إنجاز معاملاتهم الحكومية والبنكية، وهو ما أكده مواطنون آخرون عبروا عن استيائهم من تردي الخدمة التي تعيق حياتهم. وأشار هادي الشواطي إلى الأهمية الاستراتيجية للمنطقة، فهي لا تقتصر على الكثافة السكانية فحسب، بل تعد ممراً حيوياً يربط بين محافظتي أحد رفيدة وسراة عبيدة، بالإضافة إلى كونها وجهة سياحية تستقطب الزوار إلى متنزه جوف آل الشواط، مما يجعل توفير تغطية شبكة قوية ضرورة أمنية وخدمية ملحة.
تأثير ضعف الشبكة في أحد رفيدة على التعليم والاقتصاد
يمتد تأثير هذه الأزمة ليلقي بظلاله القاتمة على قطاعي التعليم والاقتصاد المحلي. ففي الجانب التعليمي، أكد تركي بن سعد أن ضعف الشبكة تسبب في تسجيل العديد من الطلاب والطالبات كغياب في منصة “مدرستي” التعليمية والمنصات الجامعية الأخرى، لعدم قدرتهم على تسجيل الدخول. هذا الأمر لا يؤثر فقط على تحصيلهم العلمي، بل يهدد مستقبلهم الدراسي ويضع أولياء الأمور في حرج دائم. إن حرمان طالب من حقه في التعليم بسبب مشكلة تقنية يمكن حلها، يمثل إخفاقاً يجب تداركه فوراً. وعلى الصعيد الاقتصادي، يحرم ضعف الاتصال أصحاب المشاريع الصغيرة ورواد الأعمال من فرصة التواجد الرقمي والوصول إلى شريحة أوسع من العملاء، كما يعيق إمكانية العمل عن بعد، الذي أصبح خياراً استراتيجياً للكثيرين في مختلف أنحاء المملكة.
وفي ظل هذه المعطيات، يجدد الأهالي مطالبتهم لشركات الاتصالات بتنفيذ زيارات ميدانية للوقوف على حجم المعاناة على أرض الواقع، والعمل بشكل جاد على إيجاد حلول جذرية ومستدامة، مؤكدين أن توفير شبكة اتصالات موثوقة لم يعد ترفاً، بل هو شريان الحياة في العصر الحديث وأحد أهم مقومات التنمية المستدامة التي تسعى إليها البلاد.


