في تحول دراماتيكي مفاجئ لم يكن يتوقعه أكثر المتابعين تفاؤلاً، يمر الشارع الرياضي البرتغالي بحالة من الغليان والانقسام الحاد غير المسبوق حول دور ومستقبل كريستيانو رونالدو مع البرتغال. ومع اقتراب انطلاق نهائيات كأس العالم المقبلة، تحولت الانتقادات الموجهة للهداف التاريخي من مجرد آراء فنية عابرة إلى نقاشات جماهيرية وإعلامية ساخنة تطالب بإجلاسه على مقاعد البدلاء، مما يضع الجهاز الفني بقيادة المدرب الإسباني روبرتو مارتينيز تحت ضغط هائل لإيجاد التوازن المناسب للفريق.
تاريخ حافل وصناعة المجد الوطني للدون
بدأت المسيرة الدولية للنجم البرتغالي في ليلة صيفية من عام 2003، عندما وطأت قدماه أرض الملعب كبديل في مباراة ودية ضد كازاخستان. ومنذ ذلك الحين، نجح رونالدو في إعادة كتابة تاريخ كرة القدم البرتغالية، حيث قاد بلاده للتتويج بلقب كأس الأمم الأوروبية (يورو 2016) ودوري الأمم الأوروبية 2019. وبفضل تسجيله لأكثر من 140 هدفاً دولياً، أصبح الهداف التاريخي للمنتخبات الوطنية عبر العصور، مما جعله رمزاً وطنياً لا يمكن المساس به لسنوات طويلة.
جدل فني معقد حول دور كريستيانو رونالدو مع البرتغال
رغم هذا التاريخ الأسطوري، تشير الأرقام الأخيرة إلى وجود فجوة فنية تثير قلق المحللين. فقد حقق المنتخب البرتغالي أكبر انتصاراته التاريخية في غياب قائده، مثل الفوز الكاسح على لوكسمبورغ بنتيجة 9-0، والانتصار العريض على أرمينيا بنتيجة 9-1. هذه الإحصائيات منحت النقاد فرصة للمطالبة بأسلوب لعب جماعي يعتمد على المرونة والسرعة التي يتميز بها الجيل الجديد من اللاعبين مثل برونو فيرنانديز وبرناردو سيلفا، بعيداً عن أسلوب “النجم الأوحد”.
وفي هذا السياق، فجر نجم مونديال 1966 التاريخي، أنطونيو سيمويس، قنبلة علنية بهجومه الحاد على الدون، حيث صرح قائلاً: “إنه لا يلعب ليحقق الفوز للفريق، بل يلعب ليبقى هو النجم الأوحد في الأضواء، والحقيقة أن الفريق يعاني تكتيكياً بوجوده كعنصر أساسي دائم”.
روبرتو مارتينيز يدافع بلغة الأرقام الصارمة
أمام هذا الهجوم الإعلامي والجماهيري الكاسح، يرفض المدير الفني روبرتو مارتينيز الانصياع للضغوط، واصفاً الانتقادات بأنها مجرد “ثرثرة إعلامية” لا تستند إلى الواقع. ويعتمد مارتينيز على لغة الأرقام للدفاع عن خياراته، مشيراً إلى أن رونالدو نجح في تسجيل 25 هدفاً خلال آخر 31 مباراة دولية خاضها مع المنتخب. ويرى المدرب الإسباني أن الخبرة الذهنية والقدرة التموقعية للدون تجعلانه دائماً مصدر الخطورة الأكبر على دفاعات الخصوم، حتى مع تراجع معدلاته البدنية والسرعة التي كان يتمتع بها في السابق.
ظلال كابوس مونديال 2022 والنفوذ التجاري
يعيد هذا الانقسام الحالي إلى الأذهان كابوس مونديال قطر 2022، عندما اتخذ المدرب السابق فرناندو سانتوس قراراً تاريخياً بإجلاس رونالدو على مقاعد البدلاء في الأدوار الإقصائية. هذا القرار فجر عاصفة اجتماعية وسياسية واقتصادية كبرى في البرتغال، وكاد يعصف باستقرار الاتحاد البرتغالي لكرة القدم. واليوم، يسعى الاتحاد جاهداً لنفي أي اتهامات تتعلق بوجود “تضارب مصالح” أو رضوخ للشركات التجارية الراعية التي ترتبط بعقود ملايين الدولارات مع النجم البرتغالي، مؤكداً أن القرارات الفنية تعود بالكامل للمدرب.
تأثير الحدث والرقصة الأخيرة في المونديال
تتجاوز أهمية هذا الحدث الحدود المحلية للبرتغال لتكتسب بعداً دولياً وإقليمياً مثيراً. ففي السابع عشر من يونيو، عندما تنطلق صافرة بداية مشوار البرتغال في المونديال ضد جمهورية الكونغو الديمقراطية، ستتجه أنظار الملايين حول العالم نحو الملعب لمراقبة الأسطورة وهو يخوض موندياله السادس التاريخي، بالتزامن مع غريمه التقليدي ليونيل ميسي. وسيكون هذا المونديال بمثابة الاختبار النهائي لمعرفة ما إذا كان رونالدو قادراً على إسكات منتقديه وكتابة نهاية خيالية لمسيرته برفع الكأس الذهبية، أم أن الحقبة التاريخية لـ “الرجل الواحد” قد انتهت بالفعل لتفسح المجال لجيل جديد.


