صدر حديثاً عن دار “متون المثقف” كتاب جديد ومثير للجدل يحمل عنوان “الحداثة البدوية.. انحراف العقلانية ومأزق الحرية في العالم العربي” للباحث المعرفي السعودي مجاهد عبدالمتعالي. يسعى الكاتب في هذا المؤلف الرصين إلى تقديم تشريح فكري عميق لواقع المجتمعات العربية، مستخدماً مبضع الديالكتيكية لتفكيك رياء المدنية الحديثة ومواجهة الأزمات المجتمعية المتراكمة بشغف معرفي يجمع بين أصالة التراث وحيوية المعاصرة.
أطروحة الحداثة البدوية وتفكيك البنية القبلية
يقع الكتاب في 323 صفحة من القطع الكبير، ويضم مباحث وفصولاً غاية في الأهمية والعمق الفكري. يرى عبدالمتعالي أن “البداوة” حالة اجتماعية وثقافية وليست صفة جينية متوارثة، وينتقد بشدة الانكفاء على “شجرة العائلة” والنزعات الدوغمائية التي قد تؤدي إلى التمييز والعنصرية. يوضح الكاتب كيف أن المجتمعات القديمة كانت منشغلة بقوت يومها وتأمين عيشها بدلاً من التفاخر بالأنساب، مستشهداً بالأثر النبوي الشريف الذي يحث على العمل والإنتاجية بدلاً من الاتكال على النسب: “من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه”. ومن هنا، يطرح الكتاب تساؤلات جوهرية حول جدوى العودة إلى الأنساب لإثبات الأفضلية في عصر تتسابق فيه الأمم نحو المعرفة، والصناعة، والاختراع، وصياغة فلسفة كونية تقوم على معطيات عقلانية حديثة.
السياق التاريخي والفكري لأزمة العقلانية العربية
يأتي هذا الكتاب في سياق تاريخي حرج تمر به المنطقة العربية، حيث تتصادم قيم العولمة والمدنية الحديثة مع الموروثات التقليدية والقبلية. على مدى العقود الماضية، شهد العالم العربي محاولات متعددة للتحديث، إلا أن الكثير من هذه المحاولات ظل شكلياً أو “مستورداً”، مما خلق حالة من الفصام الثقافي. يعيدنا طرح عبدالمتعالي إلى السجالات الفكرية التاريخية التي قادها رواد النهضة العربية حول كيفية التوفيق بين الأصالة والمعاصرة. فالكتاب لا يكتفي برصد المظاهر، بل يغوص في الجذور التاريخية لـ “العصبية” وكيف تحولت في العصر الحديث من شكلها القبلي التقليدي إلى عصبية رأسمالية واستهلاكية مشوهة، مما أعاق مسيرة التحرر الفكري الحقيقي وعرقل نشوء عقلانية عربية أصيلة.
الأثر المتوقع للكتاب على الساحة الثقافية
من المتوقع أن يثير كتاب عبدالمتعالي نقاشاً واسعاً على المستويات المحلية والإقليمية، نظراً لجرأته في طرح قضايا الهوية والقبلية التي تحظى بحساسية بالغة في المجتمعات الخليجية والعربية. محلياً وإقليمياً، يمثل الكتاب مرجعاً هاماً للأكاديميين والباحثين المهتمين بسوسيولوجيا القبيلة والتحديث في العالم العربي، حيث يساهم في تفكيك الخطاب الشوفيني وتقديم بدائل عقلانية تتجاوز الانغلاق الثقافي. أما دولياً، فإن مثل هذه الدراسات تفتح نافذة لفهم التحولات الاجتماعية العميقة في الشرق الأوسط بعيداً عن الصور النمطية المستشرقة. ومما يميز هذا العمل الفكري هو ذكاء الكاتب في توظيف الأمثال الشعبية والقصائد الشعرية لتخفيف وطأة النقد الصارم، ورفع الحرج عن بداوة لم تنجُ من مرآة الحداثة، وذلك لتفادي الصدامات الحتمية بين الأجيال الجديدة المفتونة بالوافد الغربي وبين المتمسكين بالتقاليد الموروثة.


