كشفت بيانات رسمية صادرة عن وزارة الطاقة الأمريكية عن تراجع حاد في احتياطي النفط الاستراتيجي الأمريكي بمقدار 6.2 مليون برميل، ليصل إجمالي المخزون إلى 319.5 مليون برميل. ويمثل هذا التراجع التاريخي أدنى مستوى تسجله المخزونات الأمريكية منذ أبريل من عام 1983، مما يثير تساؤلات واسعة حول أمن الطاقة العالمي ومستقبل أسواق النفط في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة والاقتصادية المتسارعة.
سياق السحب المنسق وأبعاد القرار الأمريكي
يأتي هذا الانخفاض القياسي في إطار تنفيذ خطة السحب المنسق من الاحتياطيات الاستراتيجية للدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية. وتتضمن هذه الخطة إفراج واشنطن عن إجمالي 172 مليون برميل من النفط الخام بهدف كبح جماح أسعار الوقود ومواجهة اضطرابات الإمدادات العالمية. ورغم أن هذه الخطوة ساهمت مؤقتاً في تهدئة الأسواق، إلا أن وصول المخزون إلى هذا المستوى المتدني يطرح تحديات استراتيجية كبرى حول قدرة الولايات المتحدة على مواجهة أي صدمات مستقبلية في معروض الطاقة.
الخلفية التاريخية لنشأة احتياطي النفط الاستراتيجي الأمريكي
تأسس احتياطي النفط الاستراتيجي الأمريكي في سبعينيات القرن الماضي، وتحديداً في عام 1975، كإجراء دفاعي مباشر عقب أزمة حظر النفط العربي في عام 1973. وكان الهدف الأساسي من إنشائه هو توفير مخزون طوارئ يحمي الاقتصاد الأمريكي من أي انقطاع مفاجئ في الإمدادات الخارجية. وطوال العقود الأربعة الماضية، ظل هذا الاحتياطي بمثابة صمام الأمان للاقتصاد الأكبر في العالم، إلا أن السحوبات المكثفة الأخيرة جعلته عند مستويات غير مسبوقة منذ عهد الرئيس الأسبق رونالد ريجان.
التأثيرات المتوقعة على أسواق الطاقة العالمية والمحلية
على الصعيد المحلي، يقلص هذا التراجع من الهامش المناور للإدارة الأمريكية في التحكم بأسعار التجزئة للبنزين، خاصة في فترات الذروة أو الأزمات السياسية. أما على الصعيد الدولي، فإن تآكل هذا المخزون يضعف من القوة الجيوسياسية للولايات المتحدة في مواجهة كبار المنتجين في منظمة “أوبك+”، حيث يدرك الفاعلون في السوق أن قدرة واشنطن على التدخل عبر ضخ المزيد من النفط المخزن قد تراجعت بشكل كبير، مما قد يدفع الأسعار نحو الارتفاع على المدى المتوسط والبعيد في حال حدوث أي اضطراب إقليمي.
كندا تتحرك لتأمين طاقتها عبر “ممر الدرع الشمالي”
في ظل هذه التحولات العميقة في مشهد الطاقة بأمريكا الشمالية، سارعت كندا إلى اتخاذ خطوات استباقية لتعزيز سيادتها النفطية. حيث اقترحت حكومتا مقاطعتي ألبرتا وأونتاريو الكنديتين إنشاء خط أنابيب جديد وممر طاقة طموح يمتد عبر البلاد. وتستهدف هذه الخطوة الاستراتيجية تقليص اعتماد كندا التاريخي على البنية التحتية والمصافي الأمريكية، وتأمين ممر داخلي آمن ومستقل لنقل النفط الخام بين المقاطعات الكندية المختلفة.
تفاصيل المشروع الكندي وأهدافه الاستراتيجية
يحمل المشروع المقترح اسم “ممر الدرع الشمالي للطاقة”، ويمتد على مسافة هائلة تصل إلى 3300 كيلومتر. ويهدف المشروع إلى ربط مركز تخزين النفط الرئيسي في “هارديستي” بمقاطعة ألبرتا الغنية بالموارد، بمركز التكرير والاستهلاك في “سارنيا” بمقاطعة أونتاريو. ومن المخطط أن ينقل الخط في مرحلته الأولى نحو 500 ألف برميل يومياً للاستهلاك المحلي وأسواق التصدير، مع إمكانية زيادة طاقته الاستيعابية مستقبلاً لتصل إلى 800 ألف برميل يومياً.
بالتوازي مع هذا المشروع العملاق، تعتزم مقاطعة أونتاريو دراسة إنشاء احتياطيها الاستراتيجي الخاص من النفط لضمان عدم تأثرها بالتقلبات الخارجية. وأكدت المقاطعتان في بيان مشترك أن هذا الممر الاستراتيجي لن يقتصر دوره على خفض الاعتماد على الواردات فحسب، بل سيسهم بشكل فعال في استقرار أسعار الوقود للمستهلكين الكنديين وتعزيز الأمن القومي الشامل للبلاد في مواجهة أي تحولات مفاجئة في سياسات الطاقة لجيرانها.


