وسط أجواء مشحونة بالتوترات الجيوسياسية البالغة، انطلقت أعمال قمة الناتو في أنقرة، العاصمة التركية، لتكون واحدة من أكثر الاجتماعات حساسية وأهمية لحلف شمال الأطلسي في السنوات الأخيرة. وقد تصدرت ملفات الأمن البحري وإمدادات الطاقة العالمية النقاشات، لا سيما مع تصاعد حدة الخلافات والضربات المتبادلة بين واشنطن وطهران، مما ألقى بظلاله على جدول أعمال القادة المشاركين في هذا المحفل الدولي البارز.
مبادرة تركية لتأمين الملاحة في مضيق هرمز
خلال الجلسة الافتتاحية للقمة، طرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان رؤية بلاده لتعزيز الأمن الإقليمي والدولي، معلناً استعداد تركيا الكامل للمشاركة في “عملية محتملة لإزالة الألغام بمضيق هرمز”. وأكد أردوغان أن أنقرة ستواصل القيام بدورها الريادي لحماية الأمن الجماعي للحلفاء ومواجهة التهديدات البحرية والبرية التي تحدق بالمنطقة. كما أشاد بالموقف الحازم الذي يتخذه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مساعيه الرامية للتوصل إلى اتفاق متوازن مع إيران، مشدداً على أهمية وحدة الصف بين أعضاء الحلف في مواجهة التحديات الراهنة.
تداعيات التصعيد الإيراني الأمريكي على قمة الناتو في أنقرة
يأتي هذا التحرك التركي في وقت تشهد فيه المنطقة تصعيداً عسكرياً غير مسبوق أثر بشكل مباشر على مجريات قمة الناتو في أنقرة. فقد أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) مؤخراً عن تنفيذ جولة واسعة من الضربات الهجومية الدقيقة استهدفت أكثر من 80 موقعاً داخل إيران، وذلك رداً على الهجمات الإيرانية التي استهدفت سفناً تجارية كانت تعبر مضيق هرمز الاستراتيجي. واعتبر الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، أن هذه الضربات الأمريكية كانت ضرورية للغاية لردع التهديدات وحماية التجارة الدولية، مؤكداً التزام الحلف بالإبقاء على مضيق هرمز مفتوحاً وآمناً أمام حركة الملاحة العالمية.
الأهمية الاستراتيجية والخلفية التاريخية للصراع
يمثل مضيق هرمز شريان الحياة للاقتصاد العالمي، حيث يمر عبره نحو خمس استهلاك النفط العالمي يومياً. وتاريخياً، طالما كان المضيق نقطة ارتكاز في الصراعات الإقليمية والدولية، واستخدامه كأداة للضغط السياسي والاقتصادي ليس أمراً جديداً بل يعود لعقود من التوترات المستمرة. إن أي تهديد لسلامة الملاحة في هذا الممر المائي ينعكس فوراً على أسواق الطاقة العالمية ويرفع من تكاليف الشحن والتأمين البحري، مما يهدد الاستقرار الاقتصادي الدولي. من هنا، تكتسب المبادرة التركية أهمية بالغة كونها تسعى لتقديم حلول عملية لنزع فتيل الأزمة وتأمين هذا الممر الحيوي بالتعاون مع الشركاء الدوليين.
مستقبل اجتماعات الحلف ومخاوف الإلغاء
على صعيد آخر، كشفت مصادر مطلعة لوكالة “بلومبرغ” أن حلف الناتو يدرس إمكانية إلغاء أو تأجيل قمته السنوية المقررة العام المقبل. ووفقاً للتسريبات، فإن هذا النقاش اكتسب زخماً كبيراً على هامش الاجتماعات الحالية، مدفوعاً بمخاوف بعض الحلفاء من أن تتحول القمة القادمة إلى منصة ينتقد فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الدول الأعضاء التي لا تفي بالتزاماتها المالية الدفاعية، خاصة إذا أقيمت القمة في ألبانيا التي تُصنف ضمن الدول الأقل إنفاقاً على الدفاع داخل الحلف. ورغم أن رئيس اللجنة العسكرية للناتو، جوزيبي كافو دراغون، أكد أن خيار عقد القمة في ألبانيا لا يزال مطروحاً، إلا أن توقيت انعقادها يظل محل نقاش مستمر ومفتوح.


