أصدر البنك الدولي مؤخراً تحديثه السنوي الجديد الذي يترقبه صناع القرار والمستثمرون حول العالم، حيث كشف عن ارتقاء 6 اقتصادات عالمية إلى فئات دخل أعلى لعام 2025. ويأتي هذا التحديث ضمن تصنيف البنك الدولي للدخل السنوي، الذي يغطي 218 دولة ويعد مرجعاً أساسياً للمؤسسات التنموية حتى نهاية يونيو 2027. ويعكس التقرير الأخير تحولات هيكلية لافتة في خريطة الاقتصاد العالمي، حيث لم تسجل أي دولة تراجعاً إلى فئة أدنى، مما يشير إلى مرحلة من التعافي النسبي والنمو المتفاوت بعد سلسلة من الأزمات الاقتصادية العالمية.
تاريخية تصنيف البنك الدولي للدخل وتحولاته عبر العقود
منذ عقود، يعتمد البنك الدولي على تقسيم دول العالم إلى أربع مجموعات رئيسية للدخل: منخفض، ومتوسط أدنى، ومتوسط أعلى، ومرتفع. وتستند هذه التصنيفات تاريخياً إلى نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي باستخدام منهجية “أطلس”، التي تهدف إلى تسوية الفروق الناتجة عن التضخم وتقلبات أسعار الصرف لضمان مقارنة عادلة بين الدول.
وعند النظر إلى الخلفية التاريخية لهذه المؤشرات، نجد تحولاً ديموغرافياً واقتصادياً هائلاً؛ ففي عام 1987 كانت نسبة الدول المصنفة كـ “منخفضة الدخل” تشكل نحو 30% من إجمالي دول العالم. أما اليوم، وفي تحديث عام 2025، انخفضت هذه النسبة لتصل إلى 11% فقط. هذا التراجع التاريخي يبرهن على نجاح العديد من الدول النامية في تبني سياسات إصلاحية، وتحسين مستويات المعيشة، والاندماج بشكل أكبر في سلاسل التوريد العالمية، بالرغم من التحديات المستمرة.
قصص نجاح اقتصادي: كيف صعدت الدول الست؟
شهد التحديث الأخير صعود خمس دول من فئة الدخل المتوسط الأدنى إلى فئة الدخل المتوسط الأعلى، وهي: الأردن، والفلبين، وفيتنام، وسريلانكا، وميكرونيزيا. في حين نجحت توغو في مغادرة فئة الدخل المنخفض لتلتحق بفئة الدخل المتوسط الأدنى.
وتتنوع أسباب هذا الصعود بين النمو الفعلي والمراجعات الإحصائية الهيكلية:
- فيتنام: تُعد واحدة من أبرز النماذج التنموية القائمة على التصدير، حيث تجاوز نمو صادراتها 15% خلال عامي 2024 و2025، مع نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسب تراوحت بين 7% و8% على التوالي.
- الفلبين: حققت نمواً شاملاً ومستداماً بلغ متوسطه 5.8% على مدار السنوات الخمس الماضية، متجاوزةً الاعتماد على قطاع أحادي.
- سريلانكا: استعادت مكانتها بسرعة قياسية بعد ثلاث سنوات فقط من أزمتها الطاحنة في 2022، مدعومة بتعافي السياحة والخدمات المالية ونمو حقيقي بنسبة 5%.
- الأردن: استفاد بشكل رئيسي من مراجعة شاملة للحسابات القومية وتحسين المنهجيات الإحصائية، مما أظهر أن حجم الاقتصاد الفعلي أكبر بنحو 10% من التقديرات السابقة، بالتزامن مع تحقيق نمو بنسبة 2.8%.
- توغو: ارتفع نصيب الفرد فيها تلقائياً بعد تعديل تقديرات السكان بناءً على تعداد 2022 (بانخفاض 11.7% في التقديرات)، مدعوماً بنمو اقتصادي قوي بلغ 5.9%.
- ميكرونيزيا: تعافت تدريجياً من آثار الجائحة بفضل قطاعي البناء والزراعة.
الأهمية الاستراتيجية والتأثيرات المتوقعة للتصنيف الجديد
لا تقتصر أهمية هذا التحديث على كونه مؤشراً إحصائياً، بل يترتب عليه تأثيرات بالغة الأهمية على المستويات المحلية والإقليمية والدولية.
على المستوى المحلي والإقليمي، يساهم الارتقاء في فئات الدخل في تعزيز الثقة الاستثمارية للدول الصاعدة، مما يجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة ويخفض تكلفة الاقتراض التجاري في الأسواق المالية.
أما على المستوى الدولي والتنموي، فيحدد هذا التصنيف مدى أهلية الدول للحصول على القروض الميسرة والمساعدات التنموية والمنح من المؤسسات المالية الدولية. فالانتقال إلى فئة أعلى قد يعني تدريجياً تراجع فرص الحصول على بعض القروض ذات الفوائد الصفرية أو الميسرة للغاية، والتحول نحو أدوات تمويلية تجارية أو شبه ميسرة، مما يفرض على هذه الدول إدارة مواردها المالية بكفاءة أكبر لضمان استدامة النمو.
ومع ذلك، يؤكد البنك الدولي أن هذه الأرقام، رغم صرامتها المنهجية، لا تعكس وحدها كافة أبعاد التنمية البشرية والاجتماعية، لكنها تظل البوصلة الأهم لتتبع مسار الاقتصادات العالمية وتطورها عبر الزمن.


