أعلنت وزارة الدفاع الروسية عن إحباط واحدة من أوسع الهجمات الجوية التي تتعرض لها البلاد منذ اندلاع النزاع، حيث تصدت الدفاعات الجوية لسلسلة من هجمات المسيرات الأوكرانية التي استهدفت منشآت عسكرية ونفطية حيوية في عدة مقاطعات روسية. وجاء هذا التصعيد بالتزامن مع إعلان جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (FSB) عن إحباط هجوم وصفه بـ “الإرهابي” كان يخطط لاستهداف قاعدة جوية عسكرية رئيسية في مقاطعة روستوف، مما يسلط الضوء على التحول الاستراتيجي الكبير في طبيعة المواجهات العسكرية بين موسكو وكييف.
تفاصيل التصدي الروسي لأوسع هجمات المسيرات الأوكرانية
وفقاً للبيان الرسمي الصادر عن وزارة الدفاع الروسية، نجحت أنظمة الدفاع الجوي في اعتراض وتدمير 376 طائرة مسيّرة أوكرانية خلال ليلة واحدة. وشملت عمليات الاعتراض أجواء واسعة امتدت عبر مقاطعات بيلغورود، بريانسك، كالوغا، كورسك، لينينغراد، نوفغورود، بسكوف، روستوف، سمولينسك، وتفير، بالإضافة إلى إقليم كراسنودار، وضواحي العاصمة موسكو، وشبه جزيرة القرم، ومياه بحر آزوف.
وفي العاصمة موسكو، صرح رئيس البلدية سيرغي سوبيانين بأن الدفاعات الجوية أسقطت أربع طائرات مسيرة كانت متجهة نحو المدينة، ليرتفع إجمالي المسيرات المدمرة في محيط العاصمة إلى 14 طائرة. أما في مقاطعة بيلغورود الحدودية، فقد أعلن القائم بأعمال الحاكم، ألكسندر شوفايف، عن مقتل شخص وإصابة عشرة آخرين جراء القصف الأوكراني المستمر، مشيراً إلى أن القوات الأوكرانية شنت 49 هجوماً على أراضي المقاطعة، بينما تمكنت الدفاعات الجوية من إسقاط 104 طائرات مسيرة هناك. كما أسفرت الهجمات عن اندلاع حريق في مصفاة “إيلسكي” للنفط في كراسنودار إثر سقوط حطام المسيرات، وحرائق أخرى في مستودعات للوقود بروستوف وميناء تاغانروغ البحري.
إحباط مخطط استخباراتي لاستهداف قاعدة “روستوف” الجوية
في سياق متصل، كشف جهاز الأمن الفيدرالي الروسي عن تفاصيل إحباط هجوم بطائرات مسيرة كان يستهدف مطار “روستوف-تسينترالني” العسكري. واتهم الجهاز الاستخبارات الأوكرانية بالوقوف وراء التخطيط للعملية عبر تجنيد مواطن روسي مقابل مكافأة مالية. إلا أن المواطن قام بإبلاغ السلطات الروسية بالمخطط، مما أدى إلى اكتشاف مخبأ سري يحتوي على 13 طائرة مسيرة، كانت كل واحدة منها محملة بأكثر من كيلوغرام من مادة (TNT) شديدة الانفجار. وكان الهدف الرئيسي من هذه العملية هو تدمير البنية التحتية للمطار العسكري واستهداف الطائرات والكوادر العسكرية المتواجدة في القاعدة.
السياق التاريخي لتطور سلاح المسيرات في الصراع
يمثل هذا الهجوم الواسع حلقة جديدة في سلسلة التطور التكنولوجي والعسكري الذي يشهده الصراع الروسي الأوكراني منذ عام 2022. فبعد أن كانت الطائرات المسيرة تستخدم في بداية الحرب لأغراض الاستطلاع والمراقبة القريبة، تحولت تدريجياً إلى سلاح هجومي استراتيجي يعوض النقص الأوكراني في الطيران الحربي التقليدي والصواريخ بعيدة المدى. وتلجأ أوكرانيا بشكل متزايد إلى استهداف العمق الروسي، وخاصة مصافي النفط ومستودعات الطاقة والمطارات العسكرية، في محاولة لتقويض الآلة الحربية الروسية وقطع خطوط الإمداد اللوجستي عن الجبهات الأمامية.
التأثيرات الاستراتيجية والأبعاد الدولية للتصعيد الجوي
تحمل هذه الموجة غير المسبوقة من الهجمات دلالات وتأثيرات متعددة المستويات. محلياً، تضع هذه الهجمات ضغوطاً هائلة على منظومات الدفاع الجوي الروسية وتثير قلقاً متزايداً بشأن أمن المنشآت الحيوية والاقتصادية في العمق. وإقليمياً، تؤكد الهجمات أن رقعة الحرب لم تعد تقتصر على خطوط المواجهة المباشرة في شرق وجنوب أوكرانيا، بل امتدت لتشمل مناطق روسية شاسعة. دولياً، يتابع المجتمع الدولي هذا التصعيد باهتمام بالغ، حيث يرى الخبراء أن نجاح أوكرانيا في تطوير وإنتاج مسيرات بعيدة المدى قادرة على اختراق الأجواء الروسية بكثافة يعيد تشكيل مفاهيم الردع العسكري الحديث، ويزيد من تعقيد مساعي التسوية السياسية للأزمة في ظل استمرار الدعم التقني والاستخباراتي الغربي لكييف.


