شهدت أروقة صنع القرار في بروكسل تراجعاً جديداً في مساعي فرض عقوبات اقتصادية، حيث أخفق الاتحاد الأوروبي في تمرير إجراء قانوني يهدف إلى فرض حظر شامل على المنتجات القادمة من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة. وجاء هذا الإخفاق بعد تصويت مخيب للآمال شارك فيه وزراء خارجية التكتل، حيث لم يحظَ المقترح بتأييد الأغلبية البسيطة المطلوبة لإلزام المفوضية الأوروبية بتقديم عقوبات محددة، مما يعكس عمق الانقسامات الداخلية بين العواصم الأوروبية تجاه القضية الفلسطينية والصراع في الشرق الأوسط.
كواليس الانقسام الأوروبي حول ملف المستوطنات الإسرائيلية
وفقاً لما أوردته مجلة “بوليتيكو” الأمريكية، فقد تحول المقترح الأخير إلى ساحة صراع سياسي ودبلوماسي محتدم بين مؤسسات الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء. ورغم أن مسؤولة السياسة الخارجية الجديدة في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، أكدت عقب اجتماع وزراء الخارجية في بروكسل أن اقتراح حظر التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية حظي “بأكبر قدر من التأييد”، إلا أنه فشل في الحصول على الأغلبية البسيطة اللازمة لتمريره كقرار ملزم.
وقد قادت مجموعة من الدول الأعضاء، من بينها بلجيكا وإسبانيا وهولندا، بدعم من كالاس، جهوداً حثيثة لإجبار المفوضية الأوروبية على تقديم تدابير ملموسة للتصويت عليها. ومع ذلك، كشف دبلوماسي أوروبي مطلع أن 11 دولة فقط من أصل 27 دولة عضو صوتت لصالح اتخاذ هذه الإجراءات، وهو عدد غير كافٍ لفرض القرار على الجهاز التنفيذي للاتحاد الأوروبي برئاسة أورسولا فون دير لاين، التي واجهت اتهامات بعرقلة هذه الجهود وعدم تقديم تدابير رسمية للتصويت.
الجذور التاريخية للموقف الأوروبي من الاستيطان
تاريخياً، يتبنى الاتحاد الأوروبي موقفاً ثابتاً يعتبر فيه جميع الأنشطة الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 غير قانونية بموجب القانون الدولي، وهو ما أكدته كايا كالاس مجدداً بالإشارة إلى إجماع الدول الـ27 على هذا التوصيف. وتعود المحاولات الأوروبية للحد من دعم الاستيطان إلى سنوات طويلة، كان أبرزها قرار المفوضية الأوروبية عام 2015 بوضع ملصقات تمييزية واضحة على منتجات المستوطنات لتمييزها عن المنتجات الإسرائيلية الأخرى.
ورغم هذه القرارات الرمزية والقانونية، فإن التطبيق الفعلي على أرض الواقع ظل ضعيفاً وغير متسق بين الدول الأعضاء. ويعود ذلك إلى تباين المصالح السياسية والاقتصادية؛ فبينما تدفع دول مثل إيرلندا وإسبانيا نحو اتخاذ مواقف صارمة وعقوبات تجارية مباشرة، تبدي دول أخرى مثل ألمانيا والنمسا والمجر تحفظاً شديداً على أي خطوة قد تُفسر على أنها استهداف مباشر لإسرائيل، مما يفرغ القرارات الأوروبية المشتركة من مضمونها العملي.
التداعيات الإقليمية والدولية لغياب الإجماع الأوروبي
يأتي هذا الإخفاق الأوروبي في وقت تشهد فيه المنطقة توترات غير مسبوقة، مما يضعف من مصداقية الاتحاد الأوروبي كلاعب دولي قادر على التأثير في ملف السلام. إن العجز عن اتخاذ موقف موحد تجاه المستوطنات الإسرائيلية يبعث برسائل سلبية للمجتمع الدولي، ويؤكد تراجع القدرة الأوروبية على فرض القانون الدولي في ظل الاستقطاب العالمي الراهن.
على الصعيد الدولي، يتزامن هذا التردد الأوروبي مع ترقب السياسات الأمريكية الجديدة تحت قيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يُعرف بدعمه القوي للسياسات الإسرائيلية وتوسيع الاستيطان. هذا التباين الدولي يعزز من صعوبة اتخاذ قرارات أوروبية حاسمة، حيث تخشى بعض العواصم الأوروبية من الدخول في صدام دبلوماسي مع الإدارة الأمريكية الحالية برئاسة ترامب، مما يدفعها إلى تفضيل التهدئة وتجنب التصعيد الاقتصادي.
خيارات بديلة على طاولة المفوضية الأوروبية
رغم الفشل في تمرير الحظر الشامل، لم تغلق المفوضية الأوروبية الباب تماماً؛ حيث قدمت ورقة خيارات بديلة تتضمن تدابير محتملة يمكن للدول الأعضاء مناقشتها مستقبلاً. وتشمل هذه الخيارات فرض نظام تراخيص استيراد صارم، أو تطبيق تعريفات جمركية موجهة ومحددة على السلع القادمة من المستوطنات، بدلاً من الحظر الكلي الذي يتطلب إجماعاً أو أغلبية يصعب تحقيقها حالياً.
وفي النهاية، يبقى التحدي الأكبر أمام الاتحاد الأوروبي هو ردم الفجوة بين خطابه الدبلوماسي المندد بالاستيطان، وبين سياساته التجارية الفعلية التي تسمح باستمرار تدفق السلع من هذه المستوطنات إلى الأسواق الأوروبية، مما يساهم بشكل غير مباشر في استدامة البنية التحتية للاحتلال.


