spot_img

ذات صلة

التحولات الثقافية وأثرها على استقلالية الأدباء والمثقفين

ثقافةالتحولات الثقافية وأثرها على استقلالية الأدباء والمثقفين

تشهد الساحة الأدبية المعاصرة نقاشاً واسعاً حول طبيعة العلاقة بين المثقف والمؤسسات الرسمية، حيث يرى الكثير من النقاد أن التحولات الثقافية المتسارعة في إدارة المشهد الإبداعي قد أربكت البنية الكلاسيكية للعمل الثقافي. ولم يعد خافياً على المتابعين أن التحكم في الحراك الأدبي بات محصوراً في أسماء محددة، مما دفع بعض الكتاب والأدباء إلى التودد والتقرب من القيادات الثقافية لضمان حضورهم في الفعاليات أو طباعة مؤلفاتهم، وهو ما يصفه البعض بـ “الاستجداء الثقافي” الذي يهدد قيمة الإبداع الحقيقي ويضعف من استقلالية الكلمة الحرة.

جذور العلاقة بين المثقف والسلطة عبر التاريخ

تاريخياً، ظلت العلاقة بين المثقف وصاحب النفوذ موضوعاً شائكاً ومثيراً للجدل في مختلف العصور. وفي هذا السياق، يستحضر الروائي عبد العزيز الصقعبي أطروحات المفكر إدوارد سعيد في كتابه الشهير “المثقف والسلطة”، والذي يفكك فيه آليات النفوذ والتبعية. قديماً، كان الرواد وأصحاب القامات العالية يتصدرون المشهد بمشاريعهم المستقلة، مثل الشيخ حمد الجاسر، وأحمد الزيات، وسهيل إدريس. هؤلاء بنوا كينونتهم الإبداعية بعيداً عن الخنوع، مستندين إلى قيمة عطائهم الفكري وتراكم سنوات من العمل الجاد، مما فرض احترامهم على المؤسسات الرسمية دون الحاجة لاستجداء النفوذ، وهو ما يظهر أيضاً في تجارب قامات كبرى مثل نجيب محفوظ في مصر وعبد الفتاح كيليطو في المغرب.

أثر التحولات الثقافية على جودة المنتج الأدبي

يؤكد المستشار الثقافي هاشم الجحدلي أننا نعيش اليوم في حقبة اختلط فيها الحابل بالنابل، مما أضعف روح المشاريع الخلاقة وحولها إما إلى مشاريع تجارية بحتة أو ممولة بالكامل، مع منح صلاحيات إدارية لأشخاص قد يفتقرون للقدرات الإبداعية. هذه التحولات الثقافية لها تأثيرات عميقة على المستويين المحلي والإقليمي؛ حيث تؤدي إلى تراجع جودة المنتج الأدبي وتسطيح الوعي الجمعي. عندما تصبح “الشللية” والمحسوبية هي المعيار الأساسي لتوزيع الدعوات في المهرجانات ومعارض الكتب الدولية، فإن الأصوات الأصيلة تُقصى عمداً، مما ينتج مشهداً مكرراً وبائساً يوحي بعقم الساحة الأدبية، ويحرم الجمهور من التفاعل مع المبدعين الحقيقيين.

التودد المصلحي وتشويه جوهر الإبداع

من جانبها، تفرق الكاتبة ريما آل كلزلي بين التودد الإنساني النبيل القائم على الود الخالص، وبين التودد المصلحي الكاذب الذي يسعى لتحقيق مكاسب ضيقة وتسويق الرداءة. وترى أن المثقف الذي يغالي في التقرب من أصحاب القرار يفقد موضوعيته وينحدر بأخلاقيات الأدب، محولاً الفن إلى سلعة تباع وتشترى. وتتفق معها الكاتبة فاطمة وحيدي، مشيرة إلى أن إدارة المنصات الثقافية بمنهجية “الشللية” تقضي على تكافؤ الفرص، وتدفع المبدعين الحقيقيين نحو عزلة اختيارية وإحباط شديد، هرباً من مستنقع النفاق والمجاملات المتبادلة. إن علاج هذه الظاهرة يتطلب تفعيل العمل المؤسساتي النزيه وإعادة الاعتبار لمعايير الجودة الفنية بعيداً عن الأهواء الشخصية.

فريق تحرير مفتاح السعودية
فريق تحرير مفتاح السعودية
فريق تحرير مفتاح السعودية، يقدم تغطية إخبارية ومحتوى معرفيًا موثوقًا حول أبرز الأحداث والقضايا المرتبطة بالشأن السعودي.
spot_imgspot_img