تسلم آندي بورنهام رسمياً منصب رئيس وزراء بريطانيا، ليصبح بذلك سابع رئيس حكومة للبلاد خلال عقد واحد فقط، متعهداً بإعادة توجيه مسار الدولة والتركيز بشكل أكبر على القضايا الملحة التي تشغل المواطنين البريطانيين. وجاء تعيين آندي بورنهام في هذا المنصب الرفيع بعد أن ألقى رئيس الوزراء السابق كير ستارمر كلمة وداع مؤثرة أمام مقر الحكومة في 10 داونينغ ستريت، قبل أن يقدم استقالته رسمياً إلى الملك تشارلز الثالث، الذي كلف بورنهام لاحقاً بتشكيل الحكومة الجديدة في مرحلة دقيقة وحرجة من تاريخ المملكة المتحدة.
من هو آندي بورنهام وكيف صعد إلى قمة السلطة؟
يمثل وصول آندي بورنهام، البالغ من العمر 56 عاماً، إلى رئاسة الحكومة تحولاً لافتاً ومثيراً في مسيرته السياسية الطويلة. فقد سبق له أن خسر محاولتين سابقتين لقيادة حزب العمال عامي 2010 و2015، مما دفعه إلى مغادرة أروقة السياسة المركزية في العاصمة لندن ليتولى منصب عمدة مانشستر الكبرى عام 2017.
وخلال تسع سنوات قضاها في منصبه المحلي، نجح بورنهام في اكتساب شعبية جارفة بفضل دفاعه المستميت عن مصالح الشمال البريطاني في مواجهة الحكومة المركزية، لا سيما خلال أزمة جائحة كورونا، وهو ما أكسبه لقب “ملك الشمال”. ويرى أنصاره أن هذه الخبرة المحلية الفريدة تمنحه قدرة استثنائية على فهم احتياجات المجتمعات خارج لندن والتعامل مع صعود التيارات الشعبوية مثل حزب “ريفورم يو كيه” بقيادة نايجل فاراج.
السياق التاريخي والأزمات المتراكمة أمام الحكومة الجديدة
يأتي صعود بورنهام في سياق تاريخي يتسم بالاضطراب السياسي والاقتصادي غير المسبوق في بريطانيا منذ خروجها من الاتحاد الأوروبي (البريكست). فالمملكة المتحدة شهدت تعاقب سبعة رؤساء وزراء في غضون عشر سنوات، وهو معدل دوران حكومي يعكس عمق الانقسامات الداخلية والتحديات الهيكلية التي تواجهها البلاد.
وتواجه الحكومة الجديدة إرثاً ثقيلاً من حكومة ستارمر، الذي وصل إلى السلطة عام 2024 بأغلبية برلمانية كبيرة لكنه واجه لاحقاً تراجعاً حاداً في شعبيته بسبب غياب الرؤية الواضحة والتراجع عن بعض السياسات، فضلاً عن الخسائر الانتخابية المحلية الأخيرة لصالح قوى سياسية أخرى، مما عجل برحيله وفتح الباب أمام قيادة جديدة تحاول لم شمل الحزب والشارع.
تحديات اقتصادية وملفات خدمية عاجلة تحت المجهر
يبدأ رئيس الوزراء الجديد مهمته محاطاً بقائمة طويلة من الأزمات المعقدة، وفي مقدمتها ضعف النمو الاقتصادي، وارتفاع الديون السيادية، وتراجع أداء الخدمات العامة مثل الرعاية الصحية. وسيكون أول اختبار حقيقي لبورنهام هو اختيار فريقه الوزاري، وخاصة وزير المالية، لتحديد ملامح السياسة الاقتصادية القادمة.
كما تتجه الأنظار إلى كيفية تعامله مع ملف الطاقة والشركات الخدمية المتعثرة، وعلى رأسها أزمة شركة المياه الكبرى التي تواجه شبح التدخل الحكومي المباشر بسبب تراكم ديونها وانتقادات تسرب مياه الصرف الصحي. وقالت نائبة زعيم حزب العمال لوسي باول إن الشركة قد تخضع لـ”إجراءات خاصة” تسمح بمزيد من الرقابة الحكومية اللصيقة عليها لحماية مصالح المواطنين.
الأهمية الإقليمية والدولية للتغيير السياسي في لندن
لا يقتصر تأثير تولي بورنهام السلطة على الشأن المحلي البريطاني فحسب، بل يمتد ليشمل الساحتين الإقليمية والدولية. فالعالم يترقب كيف ستتعامل لندن تحت قيادته مع العلاقات المعقدة مع الاتحاد الأوروبي في مرحلة ما بعد البريكست، والتوترات الجيوسياسية الراهنة في الشرق الأوسط وأوكرانيا.
كما سيكون لزاماً على الحكومة البريطانية الجديدة صياغة استراتيجية واضحة للتعامل مع الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب، لضمان استقرار العلاقات التجارية والأمنية بين البلدين. إن نجاح بورنهام، الذي يصف توجهه بأنه “اشتراكية صديقة للأعمال”، سيعتمد بشكل كبير على قدرته على تحقيق توازن دقيق بين التدخل الحكومي في القطاعات الحيوية والحفاظ على ثقة الأسواق العالمية، وذلك مع اقتراب الانتخابات العامة المقررة في عام 2029.


