كشفت تقارير استخباراتية إسرائيلية حديثة تم إرسالها إلى واشنطن عن تطورات جديدة ومثيرة للقلق تتعلق بملف البرنامج النووي الإيراني، حيث أشارت التقديرات إلى أن طهران قامت بنقل آلاف أجهزة الطرد المركزي المتطورة والمخصصة لتخصيب اليورانيوم إلى أنفاق شديدة العمق والتحصين داخل موقع “جبل الفأس” (المعروف محلياً باسم جبل كولانج). ووفقاً لما نقلته صحيفة “وول ستريت جيرنال” عن مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين، فإن هذه الخطوة جرت خلال خريف العام الماضي، مما يعزز المخاوف الغربية من سعي إيران لحماية قدراتها التكنولوجية والنووية الحساسة بعيداً عن أي استهداف عسكري محتمل من قبل الولايات المتحدة أو إسرائيل.
تحصينات “جبل الفأس” وموقعها الاستراتيجي الجغرافي
يقع موقع “جبل الفأس” على بعد حوالي 220 كيلومتراً جنوب العاصمة الإيرانية طهران، ولا يبعد سوى كيلومترين فقط عن مجمع “نطنز” النووي الشهير، الذي كان دائماً في قلب المواجهات السياسية والعسكرية السابقة. وتشير تقديرات معهد العلوم والأمن الدولي إلى أن هذا الموقع الجديد، الذي لا يزال قيد الإنشاء والتطوير، يقع على عمق يتراوح بين 90 و137 متراً تحت طبقات من الصخور الصلبة والخرسانة المسلحة. هذا العمق الاستثنائي يجعل المنشأة محصنة بشكل كبير ضد معظم القنابل التقليدية الخارقة للتحصينات التي تمتلكها الجيوش الغربية، مما يفرض تحديات عسكرية معقدة للغاية في حال اتخاذ قرار بشن ضربة عسكرية، قد تتطلب عمليات برية خاصة أو تكنولوجيا اختراق غير تقليدية.
الخلفية التاريخية وتطورات البرنامج النووي الإيراني
لم تكن هذه الخطوة الإيرانية وليدة الصدفة، بل تأتي في سياق صراع طويل وممتد حول البرنامج النووي الإيراني ومحاولات طهران المستمرة لتأمين منشآتها الحيوية ضد الهجمات الخارجية. ففي عام 2020، تعرضت منشأة تجميع أجهزة الطرد المركزي فوق الأرض في نطنز لعملية تخريبية غامضة أدت إلى تدميرها بالكامل. ومنذ ذلك الحين، بدأت إيران في تشييد شبكة أنفاق “جبل الفأس” كبديل آمن ومحصن تحت الأرض لضمان استمرار عمليات التجميع والتخصيب بعيداً عن أعين أجهزة الاستخبارات الدولية وطائرات الاستطلاع. وتؤكد صور الأقمار الصناعية والتقارير الاستخباراتية أن النشاط في هذا الموقع استمر بوتيرة متسارعة طوال الأشهر الـ15 الماضية، مع رصد حركة مستمرة للشاحنات الثقيلة وأعمال تدعيم واسعة النطاق للأنفاق التي يعود تاريخ بعضها إلى عام 2007.
مواقف القوى الكبرى والتحركات العسكرية المحتملة
أثارت هذه التطورات تحركات دبلوماسية وعسكرية مكثفة؛ إذ سعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى إقناع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بضرورة استئناف وتكثيف الهجمات والضغوط على إيران لإلحاق أضرار جسيمة ببنيتها التحتية النووية قبل فوات الأوان. وفي هذا السياق، كثفت الولايات المتحدة من تحركاتها العسكرية في المنطقة، وصرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب علناً في مقابلة أجريت في 13 يوليو بأن موقع “جبل الفأس” يمثل “هدفاً محتملاً لضربة عسكرية كبيرة”، وهو ما يعد أول تحديد علني ومباشر لهذا الموقع الاستراتيجي كهدف عسكري مشروع من قبل الإدارة الأمريكية الحالية.
التداعيات الإقليمية والدولية وسيناريو “الاختراق السري”
تتجاوز أهمية هذا الحدث النطاق المحلي لتلقي بظلالها على الأمن الإقليمي والدولي بأسره. ويرى خبراء ومسؤولون سابقون، مثل نيت سوانسون المسؤول السابق عن ملف إيران في مجلس الأمن القومي الأمريكي، أن الخطر الأكبر يكمن في سيناريو “الاختراق النووي السري”، حيث يمكن لإيران استخدام هذه الأنفاق شديدة التحصين لإنشاء منشأة تخصيب صغيرة الحجم ولكنها كافية لإنتاج يورانيوم عالي التخصيب بمستويات تسليحية بعيداً عن رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية. إن نجاح إيران في تحصين برنامجها قد يدفع المنطقة نحو سباق تسلح نووي إقليمي، ويزيد من احتمالات اندلاع حرب إقليمية واسعة النطاق تؤثر بشكل مباشر على إمدادات الطاقة العالمية وحركة الملاحة الدولية، مما يستدعي ضغوطاً دولية لتمكين مفتشي الوكالة الدولية من دخول الموقع والتحقق من طبيعة الأنشطة الجارية فيه.


