كشفت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) رسمياً عن أرقام صادمة تتعلق بالإنفاق العسكري الجاري في الشرق الأوسط، حيث أعلن وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيغسيث، أن تكلفة الحرب على إيران والعمليات العسكرية المرتبطة بها قد قفزت إلى نحو 37.5 مليار دولار أمريكي حتى الآن. وأوضح هيغسيث، في أول شهادة له أمام الكونغرس منذ تكثيف الضربات العسكرية، أن هذا المبلغ الضخم يغطي النفقات الميدانية الحالية بالإضافة إلى التقديرات التشغيلية المتوقعة حتى نهاية السنة المالية في الثلاثين من سبتمبر المقبل، محذراً من تداعيات خطيرة في حال عدم إقرار حزم دعم مالي عاجلة.
صراع الميزانية في واشنطن وتصاعد تكلفة الحرب على إيران
تأتي هذه التطورات المالية المتسارعة في وقت يواجه فيه البيت الأبيض تحديات تشريعية معقدة؛ إذ طلب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخراً من المشرعين في الكونغرس الموافقة على حزمة تمويل تكميلية ضخمة تبلغ قيمتها حوالي 90 مليار دولار. ويهدف هذا الطلب الاستثنائي إلى تأمين استمرارية العمليات القتالية واللوجستية، حيث سيتم تخصيص الجزء الأكبر من هذه الحزمة لتغطية متطلبات المواجهة المباشرة مع طهران وحلفائها في المنطقة.
ومع ذلك، فإن هذا الطلب يمهد الطريق لمواجهة سياسية حامية الوطيس داخل أروقة الكابيتول هيل، حيث يعبر عدد من المشرعين، لا سيما من التيار الرافض للتورط في نزاعات طويلة الأمد، عن قلقهم البالغ إزاء استنزاف الخزانة العامة وتصاعد الدين العام الأمريكي نتيجة هذه العمليات المكثفة. ولم تفصح وزارة الدفاع بشكل تفصيلي عن الآلية الدقيقة التي اعتمدت عليها لحساب هذه التكاليف، إلا أن تقارير سابقة أشارت إلى أن الأيام الستة الأولى فقط من انطلاق العمليات العسكرية كلفت واشنطن ما لا يقل عن 11.3 مليار دولار، مما يعكس الكثافة النارية واللوجستية غير المسبوقة لهذه الحرب.
جذور الصراع العسكري والسياق التاريخي للمواجهة
لم تكن هذه المواجهة العسكرية وليدة اللحظة، بل هي امتداد لعقود من التوترات الجيوسياسية بين واشنطن وطهران منذ الثورة الإيرانية عام 1979. وقد شهدت السنوات الأخيرة تصعيداً تدريجياً بدأ بانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، وفرض عقوبات اقتصادية خانقة، وصولاً إلى حرب الظل والضربات المتبادلة بين الطرفين في الممرات المائية الحيوية والمنشآت الاستراتيجية. ويمثل الانتقال الحالي من استراتيجية “الضغط الأقصى” الاقتصادية إلى المواجهة العسكرية المباشرة تحولاً جذرياً في العقيدة الأمنية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، مما يفسر القفزة الهائلة في النفقات الدفاعية التي أعلن عنها البنتاغون مؤخراً.
تداعيات إقليمية ودولية وتحذيرات من تراجع الجاهزية العسكرية
تتجاوز آثار هذه الحرب الدائرة حدود الجانب المالي المباشر لتلقي بظلالها على الاستقرار الإقليمي والاقتصاد العالمي. فعلى الصعيد الدولي، تثير هذه العمليات مخاوف مستمرة بشأن أمن الطاقة العالمي، وتحديداً سلامة الملاحة في مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات النفط العالمية، مما ينعكس مباشرة على أسواق المال والوقود العالمية.
أما على الصعيد العسكري الداخلي، فقد أطلق القادة العسكريون تحذيرات شديدة اللهجة؛ حيث أكد وزير الدفاع بيت هيغسيث أن أي تأخير في تقديم التمويل المطلوب سيؤثر بشكل مباشر وسلبي على برامج التدريب الأساسية وجاهزية القوات المسلحة الأمريكية للتعامل مع أي تهديدات أخرى حول العالم. وفي السياق ذاته، أقر رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال دان كين، بأن النقص الحالي في الموارد المالية قد يضطر الوزارة إلى تقليص عمليات الصيانة الدورية للمعدات الحربية الحساسة، وتأجيل الاستثمارات الاستراتيجية في تطوير القدرات الدفاعية المستقبلية.
وفي خطوة تعكس حجم التحدي المستقبلي، دعا وزير الدفاع الكونغرس إلى تبني رؤية بعيدة المدى وإقرار موازنة دفاعية قياسية تصل قيمتها إلى 1.5 تريليون دولار لعام 2027. واعتبر هيغسيث أن التقاعس عن توفير هذا المستوى من الدعم المالي للجيش لا يمثل مجرد عقبة إدارية، بل يشكل “التهديد الأكبر والأخطر على الأمن القومي الأمريكي” في العصر الحديث.


