تشهد أسواق الطاقة العالمية حالة من القلق والترقب مع تسجيل احتياطيات الغاز في أوروبا تراجعاً حاداً ومستويات منخفضة قياسية، مما يضع القارة العجوز أمام اختبار حقيقي وجديد لمدى قدرتها على الصمود قبل بدء موسم التدفئة الشتوي. وتأتي هذه التطورات السلبية لتزيد من الضغوط المستمرة على قطاع الطاقة الأوروبي، الذي لم يتعافَ تماماً بعد من الهزات المتتالية التي ضربت سلاسل الإمداد العالمية خلال السنوات الأخيرة.
أرقام مقلقة تكشف واقع احتياطيات الغاز في أوروبا
وفقاً لأحدث البيانات الصادرة عن رابطة مشغلي البنية التحتية للغاز في أوروبا، سجلت مستويات التخزين تراجعاً غير مسبوق في عدة دول رئيسية بحلول نهاية يوليو الماضي. وفي مقدمة هذه الدول ألمانيا، التي تعد القوة الاقتصادية الأكبر في الاتحاد الأوروبي، حيث بلغ حجم الغاز المخزن لديها نحو 10.1 مليار متر مكعب فقط، وهو ما يعادل نسبة امتلاء تقدر بـ 46.19%، وهي النسبة الأدنى منذ بدء رصد وتسجيل هذه البيانات.
ولم يكن الوضع في هولندا أفضل حالاً، إذ تراجعت نسبة امتلاء الخزانات إلى 35.34% بحجم غاز بلغ حوالي 4.5 مليار متر مكعب، وهو المستوى الأدنى المسجل منذ بدء جمع البيانات في عام 2011. وفي بلجيكا، انخفضت النسبة إلى 32.14% بإجمالي 0.22 مليار متر مكعب، ليسجل أدنى مستوى له في مثل هذا الوقت من العام منذ عام 2015. وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي ككل، بلغ متوسط امتلاء مرافق التخزين نحو 55.66% من السعة الإجمالية (ما يعادل 55.86 مليار متر مكعب)، وهو المستوى الأدنى منذ عام 2021، ويقل بنحو 16 نقطة مئوية كاملة عن متوسط السنوات الخمس الماضية.
جذور الأزمة: كيف وصلت القارة العجوز إلى حافة الخطر؟
يعود هذا التراجع الحاد في المخزونات إلى التغيرات الهيكلية الجسيمة التي طرأت على خريطة الطاقة الأوروبية عقب اندلاع الأزمة الروسية الأوكرانية في عام 2022. قبل ذلك التاريخ، كانت أوروبا تعتمد بشكل أساسي على الغاز الطبيعي الروسي الرخيص المتدفق عبر الأنابيب. ومع انقطاع هذه الإمدادات بشكل شبه كامل، اضطرت الدول الأوروبية إلى إعادة صياغة استراتيجيات الطاقة لديها بالكامل، والتحول السريع نحو الغاز الطبيعي المسال المستورد بحراً، وهو ما جعلها أكثر عرضة لتقلبات الأسعار العالمية والمنافسة الفورية.
وقد شهدت القارة خلال عامي 2022 و2023 أزمة طاقة طاحنة ارتفعت فيها أسعار الغاز والكهرباء إلى مستويات فلكية، مما دفع الحكومات إلى التدخل ببرامج دعم مالي ضخمة لحماية المستهلكين والشركات، وفرض قوانين صارمة تلزم الدول بملء خزاناتها بنسب معينة قبل حلول فصل الشتاء لضمان أمن الطاقة وتجنب انقطاع الكهرباء.
تداعيات عالمية ومنافسة شرسة على شحنات الطاقة
إن تراجع احتياطيات الغاز في أوروبا لا تقتصر آثاره على النطاق المحلي فحسب، بل يمتد ليشكل ضغطاً كبيراً على أسواق الطاقة العالمية. محلياً، يهدد هذا النقص بارتفاع تكاليف المعيشة والإنتاج الصناعي، مما قد يدفع ببعض الاقتصادات الأوروبية نحو الركود. أما على الصعيد الدولي والإقليمي، فإن سعي العواصم الأوروبية الحثيث لتعويض النقص وملء مخازنها يشعل منافسة شرسة مع الأسواق الآسيوية الكبرى مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية على شحنات الغاز الطبيعي المسال المتاحة في السوق الفورية.
هذه المنافسة المحمومة تؤدي حتماً إلى إبقاء الأسعار العالمية مرتفعة، مما يضر بالدول النامية التي لا تمتلك القدرة المالية لمجاراة الأسعار الأوروبية. وفي ظل هذه المعطيات، تواصل دول الاتحاد الأوروبي جهودها لتنويع مصادر وارداتها من خلال إبرام اتفاقيات طويلة الأجل مع موردين بدلاء مثل الولايات المتحدة ودول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بالتوازي مع تسريع وتيرة الاستثمار في مشاريع الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر لتقليل الاعتماد التاريخي على الوقود الأحفوري المستورد.


