في خطوة تاريخية تعكس تنامي الضغوط التنظيمية العالمية على عمالقة التكنولوجيا، أعلنت شركة آبل عن تغييرات جوهرية في سياستها المتعلقة بنظام التشغيل iOS في اليابان. ولأول مرة، ستسمح الشركة بمتاجر تطبيقات بديلة على أجهزتها، إلى جانب توفير خيار جديد للمطورين لمعالجة المدفوعات خارج نظامها التقليدي المغلق. هذا القرار، الذي يأتي استجابةً مباشرةً لقانون المنافسة الياباني للبرمجيات المحمولة (MSCA)، يؤكد أن هذه التعديلات ليست مجرد مبادرة طوعية، بل هي استجابة حتمية للمتطلبات التنظيمية الرامية إلى تعزيز المنافسة وكبح الممارسات الاحتكارية في سوق التطبيقات الرقمية.
لطالما اشتهرت آبل بتبنيها لنموذج “الحديقة المسورة” (Walled Garden)، حيث تتحكم بشكل كامل في نظامها البيئي، من الأجهزة إلى البرمجيات وصولاً إلى متجر التطبيقات الوحيد. وقد أتاح لها هذا النموذج فرض عمولة تصل إلى 30% على جميع المعاملات التي تتم داخل التطبيقات، مما أثار جدلاً واسعاً وانتقادات حادة من المطورين والجهات التنظيمية على حد سواء. هذه الفلسفة، التي كانت تهدف في الأساس إلى توفير تجربة مستخدم آمنة ومتكاملة، أصبحت تُنظر إليها بشكل متزايد على أنها عائق أمام المنافسة والابتكار.
تُشكل هذه التحركات تحدياً كبيراً لإيرادات متجر تطبيقات آبل، الذي يُعد مصدراً رئيسياً للدخل للشركة. وتأتي هذه الخطوة في اليابان بعد تجارب مماثلة في مناطق أخرى حول العالم. ففي الاتحاد الأوروبي، أجبر قانون الأسواق الرقمية (DMA) آبل على فتح نظامها لمتاجر التطبيقات البديلة. وفي الولايات المتحدة، اضطرت الشركة سابقاً إلى تعديل سياسات الدفع بعد دعوى قضائية رفعتها شركة Epic Games، مطورة لعبة Fortnite الشهيرة، والتي طالبت بالسماح ببدائل للدفع داخل التطبيقات. هذه السوابق تؤكد أن الضغط التنظيمي ليس ظاهرة محلية، بل هو اتجاه عالمي يهدف إلى تفكيك احتكارات شركات التكنولوجيا الكبرى.
من جانبها، حذرت آبل من المخاطر المحتملة المرتبطة بفتح نظامها، مثل انتشار البرمجيات الخبيثة وعمليات الاحتيال. ومع ذلك، طمأنت الشركة المستخدمين بأنها ستطبق نظام “التوثيق التقني” (Notarization) الصارم لضمان حماية الأطفال والمحتوى غير الملائم، بالإضافة إلى فحص التطبيقات البديلة. يرى المحللون أن آبل كانت قادرة على تحقيق التوازن بين الانفتاح والحماية منذ البداية، لكنها فضلت الحفاظ على نموذجها المغلق لسنوات طويلة، مستفيدة من سيطرتها على السوق.
على الرغم من هذه التنازلات، لا يزال هناك شعور بالاستياء في أوساط المطورين. فقد وصف الرئيس التنفيذي لشركة Epic Games، تيم سويني، هذه الخطوة بأنها “عرقلة للمنافسة واستخفاف بحكومة اليابان وشعبها”، مؤكداً أن لعبة Fortnite لن تعود إلى نظام iOS بسبب الرسوم المرتفعة التي لا تزال تفرضها آبل على المدفوعات الخارجية. هذا يشير إلى أن المعركة حول نموذج الأعمال لم تنتهِ بعد، وأن المطورين يطالبون بتغييرات أعمق وأكثر شمولاً.
تُعد هذه التطورات ذات أهمية بالغة على الصعيدين المحلي والدولي. ففي اليابان، يمكن أن تؤدي إلى بيئة أكثر حيوية للمطورين المحليين، مما يتيح لهم فرصاً أكبر للابتكار والوصول إلى المستخدمين دون الحاجة لدفع عمولات باهظة لآبل. كما أنها قد تمنح المستهلكين اليابانيين خيارات أوسع للتطبيقات، وربما أسعاراً أقل نتيجة للمنافسة المتزايدة. على الصعيد العالمي، تُرسخ هذه الخطوة مكانة اليابان كدولة رائدة في تنظيم قطاع التكنولوجيا، وتُرسل رسالة واضحة إلى شركات التكنولوجيا بأن عصر الاحتكار قد بدأ بالانحسار. من المتوقع أن تُشجع هذه التطورات دولاً أخرى على اتخاذ إجراءات مماثلة، مما قد يُعيد تشكيل المشهد التنافسي لسوق التطبيقات على مستوى العالم.
يذكر أن آبل حددت 17 مارس 2026 كموعد نهائي للمطورين للموافقة على أحدث نسخة من اتفاقية برنامجها، مما يمنحهم وقتاً كافياً للتكيف مع هذه التغييرات الجديدة. وفي ظل تصاعد الضغوط التنظيمية على شركات التكنولوجيا الكبرى عالمياً لفتح أنظمتها أمام المنافسة، يبدو أن آبل وغيرها من الشركات ستُجبر على إعادة تقييم نماذج أعمالها بشكل جذري لضمان الامتثال للقوانين الجديدة والحفاظ على مكانتها في سوق يتطور بسرعة.


