spot_img

ذات صلة

أزمة الرقائق العالمية: تراجع مبيعات الهواتف الذكية وتحديات الصناعة

تتجه سوق الهواتف الذكية العالمية نحو مرحلة حرجة، حيث تشير التوقعات إلى تراجع مبيعاتها بشكل ملحوظ خلال العام القادم، وذلك في ظل استمرار تداعيات “أزمة الرقائق” التي تضرب سلاسل التوريد العالمية. فقد توقعت شركة “كاونتربوينت” لأبحاث السوق انخفاض شحنات الهواتف الذكية بنسبة 2.1% عالمياً، مدفوعة بارتفاع تكاليف الرقائق وتأثيرها المباشر على القدرة الشرائية والطلب في الأسواق المختلفة.

لم تكن أزمة الرقائق ظاهرة وليدة اللحظة، بل هي نتيجة لتراكم عوامل متعددة بدأت تظهر بوضوح مع تفشي جائحة كوفيد-19 في عام 2020. فمع إغلاق المصانع وارتفاع الطلب على الأجهزة الإلكترونية للاستخدام المنزلي (العمل عن بعد، التعليم عن بعد، الترفيه الرقمي)، شهدت سلاسل التوريد العالمية اضطراباً غير مسبوق. كما أن الاستثمار المحدود في مصانع الرقائق التقليدية (Legacy Nodes) التي تعتمد عليها العديد من الصناعات، بما في ذلك الهواتف الذكية الاقتصادية، فاقم المشكلة. أضف إلى ذلك التوترات الجيوسياسية بين القوى الكبرى، والتي أدت إلى قيود على التصدير والاستيراد لبعض التقنيات الحيوية، مما زاد من تعقيد المشهد.

وتشير التحليلات الحالية إلى أن سلاسل توريد الإلكترونيات واجهت ضغوطاً هائلة خلال الأشهر الماضية بسبب نقص الرقائق التقليدية، مما دفع المصنعين إلى تحويل تركيزهم نحو رقائق الذاكرة المتطورة المخصصة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي. هذا التحول، وإن كان يعكس التطور التكنولوجي، إلا أنه يخلق تحديات جديدة. فوفقاً لتقرير “كاونتربوينت”، ستكون العلامات التجارية الصينية مثل “هونر” و”أوبو” الأكثر تضرراً من هذا الوضع، خصوصاً في فئة الهواتف الاقتصادية التي تعتمد على هوامش ربح محدودة وتتأثر بشكل مباشر بأي زيادة في تكاليف المكونات.

يزداد الضغط على صناعة الهواتف الذكية مع التوقعات بارتفاع أسعار رقائق الذاكرة المخصصة للذكاء الاصطناعي. فقد لفت التقرير الانتباه إلى أن خطوة شركات كبرى مثل “إنفيديا” باستخدام هذه الرقائق قد تؤدي إلى مضاعفة أسعارها بحلول أواخر عام 2026. هذا الارتفاع المتوقع في التكاليف سيضع الشركات المصنعة أمام خيارين صعبين: إما امتصاص هذه الزيادة وتقليل هوامش أرباحها، أو تمريرها إلى المستهلكين، مما قد يؤثر سلباً على الطلب العام.

وعلى الرغم من هذه التحديات، تظهر بعض المؤشرات الإيجابية في قطاعات معينة من السوق. فقد أظهرت بيانات مؤسسة “إنترناشونال داتا كوربوريشن” (IDC) ارتفاعاً في شحنات الهواتف الذكية عالمياً بنسبة 2.6% في الربع الثالث من عام 2025. هذا النمو كان مدفوعاً بشكل أساسي بالطلب القوي على الأجهزة المتطورة المزودة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى الأسعار الجذابة والعروض الترويجية التي تقدمها الشركات في ظل حالة عدم اليقين الاقتصادي والرسوم الجمركية المتزايدة. هذا يشير إلى أن المستهلكين ما زالوا مستعدين للاستثمار في التقنيات الجديدة التي تقدم قيمة مضافة حقيقية.

إن تأثير أزمة الرقائق على سوق الهواتف الذكية يتجاوز مجرد الأرقام الاقتصادية. فعلى الصعيد المحلي والإقليمي، قد يؤدي ارتفاع الأسعار إلى تباطؤ وتيرة التحول الرقمي في بعض الدول، خاصة تلك التي تعتمد على الهواتف الاقتصادية كبوابة رئيسية للإنترنت. دولياً، تثير هذه الأزمة مخاوف بشأن الأمن الاقتصادي والسيادة التكنولوجية، مما يدفع الحكومات إلى الاستثمار في سلاسل توريد محلية للرقائق، كما هو الحال مع قانون “CHIPS Act” في الولايات المتحدة و”قانون الرقائق الأوروبي”. هذا التوجه قد يعيد تشكيل خريطة صناعة الرقائق العالمية على المدى الطويل.

في الختام، يُنتظر أن تشهد سوق الهواتف الذكية مواجهة مزدوجة ومعقدة: ارتفاع مستمر في تكاليف الرقائق من جهة، وطلب قوي ومتزايد على الأجهزة المتطورة والمبتكرة من جهة أخرى. هذا التحدي يتطلب من الشركات المصنعة تبني استراتيجيات مرنة ومبتكرة للحفاظ على الأرباح والحصة السوقية، مع التركيز على الكفاءة في سلاسل التوريد والابتكار المستمر لتلبية تطلعات المستهلكين في عالم يتزايد فيه الاعتماد على التقنيات الذكية.

spot_imgspot_img