شهدت فترة رئاسة دونالد ترامب للولايات المتحدة تحولاً جذرياً في نظرة العالم إلى أمريكا، فبعد عقود من اعتبارها ركيزة للدعم والاستقرار العالمي، بدأت الثقة تتآكل لتحل محلها حالة من الشك والتساؤل حول دورها المستقبلي وموثوقيتها كشريك استراتيجي.
لطالما ارتبطت الولايات المتحدة، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بمفهوم القيادة العالمية، حيث كانت الداعم الرئيسي للمؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، وراعية للاتفاقيات التجارية التي شكلت النظام الاقتصادي العالمي. كانت سياستها الخارجية ترتكز على تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتوفير مظلة أمنية لحلفائها، مما أكسبها مكانة فريدة كقوة عظمى ذات نفوذ واسع وقوة ناعمة لا يستهان بها، وكانت تُنظر إليها كضامن للاستقرار في عالم متعدد الأقطاب.
مع وصول إدارة ترامب إلى السلطة في عام 2017، تبنت واشنطن شعار “أمريكا أولاً”، الذي عكس توجهاً نحو الانكفاء على الذات وتقليل الالتزامات الدولية. تجلى هذا التوجه في الانسحاب من اتفاقيات دولية محورية مثل اتفاق باريس للمناخ والاتفاق النووي الإيراني (JCPOA)، بالإضافة إلى التشكيك في جدوى منظمات مثل منظمة التجارة العالمية ومنظمة الصحة العالمية. كما شهدت العلاقات مع الحلفاء التقليديين توتراً ملحوظاً، حيث انتقد ترامب حلف الناتو وطالب بزيادة مساهمات الدول الأعضاء، وبدأ حروباً تجارية مع الصين والاتحاد الأوروبي، مما أثار قلقاً واسعاً بشأن مستقبل التحالفات الدولية والنظام التجاري العالمي.
هذه السياسات أدت إلى تآكل الثقة في القيادة الأمريكية، حيث بدأت دول عديدة، لا سيما في أوروبا وآسيا، في التساؤل عن مدى موثوقية الولايات المتحدة كشريك استراتيجي يمكن الاعتماد عليه على المدى الطويل. سعت بعض الدول إلى تعزيز استقلاليتها الاستراتيجية، بينما بدأت قوى أخرى في ملء الفراغ الذي خلفه التراجع الأمريكي، مما أحدث تحولاً في موازين القوى العالمية. لم يقتصر التأثير على الحلفاء، بل امتد ليشمل الخصوم الذين ربما رأوا في هذا التغير فرصة لتعزيز نفوذهم وتحدي الهيمنة الأمريكية.
على المدى الأوسع، أثرت إدارة ترامب على القوة الناعمة للولايات المتحدة، حيث تراجعت معدلات التأييد للقيادة الأمريكية في استطلاعات الرأي العالمية بشكل ملحوظ، مما يعكس تراجعاً في جاذبية النموذج الأمريكي. كما أثيرت تساؤلات جدية حول مستقبل التعددية القطبية والنظام الدولي القائم على القواعد، ومدى قدرة المؤسسات الدولية على الصمود في وجه التحديات الجديدة. إن التحديات التي خلفتها هذه الفترة لا تزال قائمة، وتتطلب جهوداً دبلوماسية كبيرة من الإدارات اللاحقة لإعادة بناء الجسور واستعادة الثقة في الدور الأمريكي كقوة إيجابية ومستقرة على الساحة الدولية.


