في خطوة محورية نحو تعزيز الشفافية والكفاءة في القطاع العقاري السعودي، أعلنت الهيئة العامة للعقار عن بدء أعمال التسجيل العيني للعقار في المدينة المنورة. يأتي هذا الإعلان ليؤكد التزام المملكة بتحقيق أهداف رؤية 2030 الطموحة، والتي تركز على التحول الرقمي وتطوير البنية التحتية التشريعية والاقتصادية. وقد انطلقت أعمال التسجيل لقطعتين عقاريتين في حيين مختارين بالمدينة المنورة، وذلك اعتباراً من يوم الأحد الموافق 11 يناير 2026م (22 رجب 1447هـ)، وتستمر حتى نهاية يوم 16 أبريل 2026م (28 شوال 1447هـ).
تُعد هذه المبادرة جزءاً لا يتجزأ من استراتيجية أوسع تهدف إلى تحديث وتطوير نظام التسجيل العقاري في المملكة، والانتقال من الأنظمة التقليدية التي قد تعتمد على تسجيل الملكية الشخصية إلى نظام التسجيل العيني الذي يركز على العقار ذاته. هذا التحول يمثل قفزة نوعية نحو توثيق الملكيات العقارية بشكل أكثر دقة وموثوقية، مما يقلل من النزاعات ويسهل عمليات التداول العقاري.
وتشمل الأحياء المستفيدة من هذه المرحلة التجريبية في المدينة المنورة جزءاً من حي الحرم الشريف وجزءاً من حي الجصة. وقد أوضحت الهيئة العامة للعقار أن اختيار هذه الأحياء تم بناءً على معايير محددة ودقيقة، مؤكدةً أن الإعلان عن بقية المناطق والمحافظات والأحياء التي ستخضع لأعمال التسجيل العيني للعقار في مختلف مناطق المملكة سيتم تباعاً خلال الفترات القادمة، مما يعكس التوسع المخطط لهذه المبادرة على مستوى وطني.
السياق التاريخي وأهمية التحول:
لطالما كان القطاع العقاري ركيزة أساسية في الاقتصاد السعودي، ومع التوسع العمراني والنمو السكاني، برزت الحاجة الملحة لتطوير أنظمة تسجيل الملكية. نظام التسجيل العيني للعقار، المعروف عالمياً بفعاليته، يهدف إلى إنشاء سجل شامل ودقيق لكل وحدة عقارية، يتضمن جميع بياناتها وأوصافها وحالتها، وما يتبعها من حقوق والتزامات، مدعومة بالمعلومات الجيومكانية الدقيقة. هذا النظام يختلف عن الأنظمة السابقة التي قد تعتمد بشكل أكبر على الصكوك الورقية أو التسجيل الشخصي للمالك، مما كان يفتح المجال أحياناً للتعقيدات أو النزاعات. إن تبني هذا النظام يعكس التزام المملكة بالمعايير الدولية في إدارة الأصول العقارية.
متطلبات التسجيل ومخرجاته:
لإتمام عملية التسجيل العيني، يشترط وجود صك ملكية مستوفٍ للمتطلبات النظامية. عند اكتمال التسجيل، سيتم إصدار “رقم عقار” فريد وصك تسجيل ملكية لكل وحدة عقارية. هذا الصك الجديد لن يكون مجرد وثيقة ملكية، بل سيحتوي على تفاصيل شاملة للعقار، بما في ذلك أوصافه الدقيقة، حالته الراهنة، وأي حقوق أو التزامات مرتبطة به، مع الاستفادة من أحدث التقنيات الجيومكانية لضمان الدقة المتناهية في تحديد الموقع والحدود.
التأثير المتوقع على القطاع العقاري والاقتصاد الوطني:
يُسهم التسجيل العيني للعقار بشكل كبير في تنظيم وتطوير القطاع العقاري بالمملكة، وذلك من خلال التعاون الوثيق بين الهيئة العامة للعقار والجهات الحكومية الأخرى ذات الصلة. من أبرز مزايا هذا النظام تحقيق موثوقية عالية في التملك، حيث يوفر سجلاً تاريخياً كاملاً للعقار، مما يضمن دقة المعلومات العقارية ويحمي حقوق المتعاملين في السوق. على الصعيد المحلي، سيعزز هذا النظام الثقة في المعاملات العقارية بالمدينة المنورة والمناطق الأخرى التي سيشملها، مما يشجع على الاستثمار ويسهم في التنمية العمرانية المستدامة.
أما على المستويين الإقليمي والدولي، فإن أتمتة إجراءات التسجيل ومركزية المعلومات والحفظ، بالإضافة إلى تحديث بيانات العقار بشكل فوري عند تغييرها، ستعزز من جاذبية السوق العقاري السعودي للمستثمرين الأجانب. إن وضوح الملكية وسهولة التحقق منها يمثلان عاملين حاسمين في قرارات الاستثمار. كما يدعم هذا التحول أهداف رؤية 2030 في تنويع مصادر الدخل الوطني وتعزيز الاقتصاد الرقمي، مما يجعل المملكة مركزاً إقليمياً وعالمياً للاستثمار العقاري الآمن والشفاف.
باختصار، يمثل بدء أعمال التسجيل العيني للعقار في المدينة المنورة خطوة استراتيجية نحو مستقبل عقاري أكثر تنظيماً وشفافية وكفاءة في المملكة العربية السعودية، معززاً بذلك مكانتها كوجهة استثمارية موثوقة ومستقرة.


