في مشهد يمزج بين عراقة الماضي وإبداع الحاضر، استضاف مهرجان الكتّاب والقرّاء بالطائف فعالية «شارك فنّك»، لتكون مساحة حيوية تحتفي بالحرف اليدوية الأصيلة والفنون التراثية. هذه المنصة المفتوحة لم تكن مجرد عرض للمنتجات، بل احتفاءً بالمواهب السعودية وصوناً لجماليات الحِرفة التي تُعد جزءاً لا يتجزأ من الهوية الوطنية. لقد جاءت الفعالية لتسليط الضوء على الطاقات الإبداعية الكامنة والحرف المتميزة، موفرةً بيئة محفزة تشجع على المشاركة وتبادل الخبرات، وتعيد للحِرفة حضورها البارز كلغة ثقافية غنية تعبر عن تنوع المجتمع وثرائه، وتربط ببراعة بين أصالة الماضي وابتكارات الحاضر.
تكتسب هذه الفعاليات أهمية خاصة في مدينة الطائف، التي لطالما كانت مركزاً ثقافياً وتاريخياً بارزاً في المملكة العربية السعودية. تُعرف الطائف، الواقعة في منطقة مكة المكرمة، بكونها مصيفاً تاريخياً وموقعاً استراتيجياً على طريق التجارة القديم، مما أكسبها ثراءً ثقافياً وحضارياً فريداً. اشتهرت المدينة بحدائقها الغنّاء، وورودها العطرية التي تُستخرج منها أجود أنواع ماء ودهن الورد، بالإضافة إلى فواكهها المتنوعة وحرفها التقليدية المتوارثة عبر الأجيال. هذه الخلفية التاريخية الغنية تجعل الطائف حاضنة طبيعية لمثل هذه المبادرات الثقافية التي تحتفي بالتراث وتُبرز العمق الحضاري للمملكة.
إن الحرف اليدوية في المملكة العربية السعودية ليست مجرد صناعات تقليدية، بل هي سجل حي يحكي قصص الأجداد، ويعكس تنوع البيئات والمجتمعات التي شكلت نسيج المملكة. فمن حياكة السدو في الصحراء، إلى صناعة الفخار في الواحات، ومن صياغة الحلي في المدن التاريخية، إلى المشغولات الخشبية والنخيلية في المناطق الزراعية، تتجلى مهارة الأيدي السعودية وحسها الفني الأصيل. هذه الحرف هي جزء لا يتجزأ من التراث الثقافي غير المادي الذي تسعى المملكة جاهدة للحفاظ عليه وتوريثه للأجيال القادمة، إيماناً منها بأهميته في بناء الهوية الوطنية وتعزيز الانتماء.
يتماشى تنظيم مثل هذه المهرجانات الثقافية بشكل وثيق مع رؤية المملكة 2030 الطموحة، التي تهدف إلى تنويع مصادر الدخل، وتعزيز السياحة الثقافية، وإبراز التراث السعودي الغني على الساحة العالمية. فمن خلال دعم الحرفيين والفنانين، تسعى المملكة إلى الحفاظ على موروثها الثقافي غير المادي، وتمكين المواهب المحلية، وخلق فرص اقتصادية مستدامة في القطاع الثقافي والإبداعي. هذه الرؤية تضع الثقافة في صميم التنمية، معتبرة إياها محركاً أساسياً للنمو الاقتصادي والاجتماعي، ومصدراً للفخر الوطني.
وقد ضمت فعالية «شارك فنّك» عشرين منصة فنية مجهزة بالكامل، احتضنت طيفاً واسعاً من الممارسات الحرفية التي تعكس عمق التراث السعودي وتنوعه. شملت هذه المنصات المشغولات النسيجية والمطرزات الدقيقة التي تروي حكايات الألوان والأنماط، والحلي والمجوهرات التقليدية التي تزين وتُعبر عن مكانة، والفخار والخزف الذي يحكي قصصاً من الأرض والطين، والمشغولات النخيلية والخشبية والجلدية التي تجسد مهارة الأيدي السعودية في تحويل المواد الخام إلى أعمال فنية. كما برزت صناعة ماء ودهن الورد الطائفي الشهير بعبقه الفريد، وصناعة السبح بأنواعها التي تجمع بين الروحانية والجمال، وفنون الرسم المتعددة، وحياكة السدو والعقال التي تُعد رموزاً ثقافية أصيلة، بالإضافة إلى التريكو والكروشيه، وحياكة الدمى، وصناعة فواصل الكتب الجمالية، وغيرها الكثير من الفنون التي تجسد روح الإبداع المحلي وتفرد كل منطقة.
لم تقتصر الفعالية على العرض فحسب، بل أتاحت للزوار تجربة تفاعلية ثرية ومباشرة. فقد تمكن الجمهور من الحوار المباشر مع الفنانين والحرفيين، ومتابعة مراحل الإنتاج عن كثب، والتعرف على الحكايات الملهمة والتقنيات العريقة الكامنة خلف كل قطعة فنية. هذا التفاعل المباشر يعزز الوعي بقيمة الحرف اليدوية ليس كمنتجات فحسب، بل كامتداد حي للثقافة الوطنية وذاكرة الأجداد، مما يغرس في الأجيال الجديدة تقدير هذا الإرث الثمين ويشجعهم على تعلمه وممارسته. إنها فرصة لا تقدر بثمن لربط الأجيال الشابة بجذورهم الثقافية، وتحفيزهم على استكشاف مواهبهم الإبداعية.
لقد أسهمت «شارك فنّك» بشكل فعال في تمكين الحرفيين عبر توفير مساحات عرض احترافية ومجهزة، مما أتاح لهم تقديم أعمالهم بثقة واحترافية، وبناء جسور التواصل المباشر مع الجمهور والمهتمين. هذا الدعم لا يقتصر على الجانب التسويقي فحسب، بل يمتد ليشمل تبادل الخبرات والمعارف بين الحرفيين أنفسهم، مما يثري المشهد الحرفي ويعزز الابتكار فيه. وتأتي هذه الجهود في انسجام تام مع رؤية المهرجان الأوسع، الرامية إلى تقديم الثقافة بصيغ حية ومتجددة، تجذب مختلف شرائح المجتمع وتجعل الفن والحرفة جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية، وتساهم في بناء اقتصاد إبداعي مستدام.
إن تأثير هذه الفعالية يتجاوز حدود الطائف ليلامس الأبعاد الوطنية والإقليمية والدولية. فعلى الصعيد المحلي، تعزز الفعالية الاقتصاد المحلي بشكل مباشر من خلال دعم الحرفيين وتوفير منصة لبيع منتجاتهم، وتخلق فرص عمل جديدة، وتنمي السياحة الداخلية، مما ينعكس إيجاباً على المجتمع المحلي. وعلى الصعيد الوطني، تساهم في إبراز التنوع الثقافي للمملكة وتراثها الغني، مما يعزز مكانتها كوجهة ثقافية رائدة ضمن خريطة السياحة السعودية المتنامية.
أما على الصعيد الإقليمي والدولي، فإن «شارك فنّك» تفتح آفاقاً جديدة للتعاون الثقافي وتبادل الخبرات مع دول الجوار والعالم، وتقدم صورة مشرقة عن الإبداع السعودي الأصيل، مما يساهم في الحوار الثقافي العالمي ويعزز الفهم المتبادل بين الشعوب. كما أنها تدعم جهود المملكة في تسجيل وحماية التراث الثقافي غير المادي لدى منظمات مثل اليونسكو، وتُظهر التزامها بالحفاظ على هذا الإرث الإنساني المشترك للأجيال القادمة، مما يعزز مكانة المملكة كشريك فاعل في المشهد الثقافي العالمي.
ويواصل مهرجان الكتّاب والقرّاء فعالياته المتنوعة على مدى سبعة أيام، من 9 إلى 15 يناير الجاري، مستقبلاً زوّاره يوميًا من الرابعة عصرًا حتى منتصف الليل. إنها دعوة مفتوحة للجميع لاكتشاف عوالم الحرف الساحرة، وقراءة الجمال في تفاصيلها، ولمس روح الفن الأصيل عن قرب، في تجربة ثقافية لا تُنسى تجمع بين المتعة والفائدة، وتُرسخ قيمة التراث في قلوب وعقول الزوار.


