spot_img

ذات صلة

غرينلاند: صراع القوى والسيادة في القطب الشمالي

في تطور يعكس تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة القطب الشمالي، بدأت قوات عسكرية من فرنسا وألمانيا بالوصول إلى غرينلاند، اليوم الخميس، في إطار استعدادات لمناورات عسكرية مرتقبة. هذه الخطوة الأوروبية تأتي كرسالة واضحة تهدف إلى طمأنة الولايات المتحدة بشأن أمن الجزيرة، وفي الوقت نفسه، ردع أي محاولات أمريكية للاستحواذ عليها، في ظل استمرار ضغط الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لتحقيق هذا الهدف.

تأتي هذه التحركات العسكرية بعد اجتماع ثلاثي عُقد، الأربعاء، بين مسؤولين رفيعي المستوى من الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند. ورغم أن الاجتماع نجح في تجنب مواجهة علنية محرجة، إلا أنه لم يسفر عن حل سريع للخلاف المتصاعد حول مستقبل هذه الجزيرة الشاسعة ذات الأهمية الاستراتيجية المتزايدة.

غرينلاند: خلفية تاريخية وأهمية استراتيجية متجددة

غرينلاند، أكبر جزيرة في العالم، تتمتع بحكم ذاتي واسع ضمن مملكة الدنمارك. تاريخياً، لم تكن فكرة استحواذ الولايات المتحدة على غرينلاند جديدة؛ فقد سبق أن أبدى مسؤولون أمريكيون اهتماماً بها في مناسبات عدة، أبرزها محاولة وزير الخارجية الأمريكي ويليام سيوارد شرائها عام 1867، ومحاولة الرئيس هاري ترومان عام 1946. هذا الاهتمام المتكرر ينبع من موقع الجزيرة الجغرافي الفريد الذي يجعلها نقطة محورية في الأمن القومي والدفاع الاستراتيجي، خاصة خلال الحرب الباردة حيث استضافت قاعدة ثول الجوية الأمريكية، التي لا تزال تلعب دوراً حيوياً في نظام الإنذار المبكر للدفاع الصاروخي.

في العصر الحديث، تزايدت أهمية غرينلاند بشكل كبير بفعل التغيرات المناخية التي تؤدي إلى ذوبان الجليد القطبي، مما يفتح ممرات ملاحية جديدة (مثل الممر الشمالي الغربي وطريق بحر الشمال) ويُسهل الوصول إلى موارد طبيعية هائلة غير مستغلة. تُقدر الجزيرة باحتوائها على كميات ضخمة من المعادن النادرة، واليورانيوم، والزنك، والحديد، بالإضافة إلى احتياطيات محتملة من النفط والغاز، مما يجعلها مطمعاً للقوى الكبرى.

واشنطن تسعى للسيطرة: دوافع ومخاوف

يؤكد الرئيس ترمب أن غرينلاند تمثّل أهمية حيوية للأمن القومي الأمريكي، معتبراً أن امتلاكها ضروري لمنع قوى منافسة مثل روسيا والصين من توسيع نفوذهما في القطب الشمالي. فموسكو تعزز وجودها العسكري في المنطقة، بينما تسعى بكين إلى ترسيخ موطئ قدم لها عبر مبادرات مثل «طريق الحرير القطبي». وقد شدد ترمب على أن «جميع الخيارات مطروحة» لتأمين السيطرة على الإقليم، معرباً عن اعتقاده بأن كوبنهاغن غير قادرة على حماية الجزيرة من التهديدات الجيوسياسية المتزايدة.

هذا الموقف الأمريكي أثار استياءً واسعاً. ففي المقابل، ترفض كل من غرينلاند والدنمارك هذه الطروحات بشكل قاطع، مؤكدتين أن الجزيرة «ليست للبيع». وقد وصفت كوبنهاغن التهديد باستخدام القوة بأنه تصرف متهور وغير مقبول، مشددة على أن أي مخاوف أمنية يجب معالجتها في إطار التعاون بين الحلفاء وليس عبر انتهاك السيادة.

دعم أوروبي وتحذيرات للناتو

سارعت دول أوروبية بارزة في الاتحاد الأوروبي إلى دعم الدنمارك، محذّرة من أن أي تحرك عسكري أمريكي للاستيلاء على غرينلاند قد يشكل ضربة قاصمة لحلف شمال الأطلسي (الناتو). هذا الدعم ليس مجرد تصريحات دبلوماسية؛ فقبيل الاجتماع الثلاثي، أعلنت غرينلاند والدنمارك أنهما بدأتا بالفعل تعزيز الوجود العسكري في الجزيرة ومحيطها، بالتنسيق الوثيق مع حلفاء الناتو، ضمن تعهد مشترك بتقوية الدفاعات في منطقة القطب الشمالي.

وقد أكدت دول أوروبية عدة، من بينها ألمانيا وفرنسا والسويد والنرويج، أنها سترسل عناصر عسكرية إلى غرينلاند تمهيداً لإجراء تدريبات أوسع في وقت لاحق من هذا العام. وأوضحت وزارة الدفاع الدنماركية أن القوات المسلحة الدنماركية، بالتعاون مع حلفاء أوروبيين وأطلسيين، ستبحث خلال الأسابيع المقبلة آليات زيادة الوجود العسكري والنشاط التدريبي في المنطقة. ورغم أن الانتشار الأولي يبدو محدوداً، مثل إرسال فريق استطلاع ألماني مكون من 13 عسكرياً، إلا أن رمزيته السياسية والعسكرية كبيرة.

رسائل ردع وتعزيز للسيادة

يرى الخبراء أن التحرك العسكري الأوروبي يحمل رسالتين واضحتين للإدارة الأمريكية. الأولى هي رسالة ردع، تُظهر استعداد الحلفاء للدفاع عن غرينلاند إذا ما تقرر استخدام القوة. أما الرسالة الثانية، فهي تأكيد على أن الانتقادات الأمريكية بشأن ضعف المراقبة والأمن في الجزيرة تُؤخذ على محمل الجد، وأن هناك جهوداً حقيقية لتعزيز الوجود والسيادة وتحسين قدرات المراقبة في المنطقة.

وفي هذا السياق، صرّح السفير الفرنسي لدى دول القطب الشمالي، أوليفييه بوافر دارفور، لإذاعة «فرانس إنفو» قائلاً: «سنُظهر للولايات المتحدة أن الناتو حاضر، وأن الدنمارك عززت بشكل كبير قدراتها الرقابية في غرينلاند، وأن الاتحاد الأوروبي يساهم في ضمان الأمن القومي للمنطقة بأسرها». هذا التصريح يلخص الموقف الأوروبي الموحد.

مجموعة عمل مشتركة وخلاف مستمر

عقب محادثات في البيت الأبيض مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ونائب الرئيس جيه دي فانس، أعلن وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن ونظيرته من غرينلاند فيفيان موتسفيلدت الاتفاق على تشكيل مجموعة عمل مشتركة لبحث مجموعة واسعة من القضايا المتعلقة بالجزيرة. ومع ذلك، أقرا في الوقت نفسه بأن واشنطن لم تتراجع عن موقفها الداعي إلى الاستحواذ على غرينلاند، وهو ما وصفاه بأنه انتهاك غير مقبول للسيادة.

وفي وقت متأخر من مساء الأربعاء، هبطت طائرة تابعة لسلاح الجو الدنماركي في مطار نوك، حيث شوهد جنود بزيهم العسكري وهم يشاركون في التدريبات، مؤكدين على الأرض الالتزام الأوروبي. كما أكدت فرنسا انضمامها إلى الانتشار العسكري، إذ قال الرئيس إيمانويل ماكرون إن أولى الوحدات الفرنسية باتت في طريقها إلى الجزيرة، على أن تتبعها قوات أخرى لاحقاً.

تظل قضية غرينلاند نقطة توتر رئيسية في العلاقات عبر الأطلسي وفي سباق النفوذ المتزايد في القطب الشمالي. إنها تُبرز التحديات المعقدة التي تواجه السيادة الوطنية، والمصالح الاقتصادية، والأمن الجيوسياسي في عالم يتغير بسرعة.

spot_imgspot_img