spot_img

ذات صلة

ترمب: غرينلاند، ماكرون، ورسوم جمركية 200% على فرنسا

في تصريحات مثيرة للجدل قبيل توجهه إلى المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا، جدد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب التأكيد على الأهمية الاستراتيجية لجزيرة غرينلاند بالنسبة للولايات المتحدة. هذه التصريحات تأتي في سياق سياسة خارجية اتسمت بالجرأة والرغبة في إعادة تشكيل التحالفات والمصالح الأمريكية.

وأفاد ترمب للصحفيين، يوم الثلاثاء، بأنه سيناقش قضية غرينلاند مع عدد من القادة في دافوس، مشدداً على أن الجزيرة القطبية، التابعة للدنمارك، “مهمة جداً لأمريكا” وأن “لا أحد يستطيع حماية غرينلاند”. وأشار إلى أن القادة الأوروبيين لن “يتصدّوا بشدة” لمحاولته شراء الجزيرة القطبية، في إشارة إلى اهتمامه السابق بالاستحواذ عليها. يعكس هذا الموقف رؤية ترمب التي تركز على المصالح الأمنية والاقتصادية للولايات المتحدة، حتى لو تطلب ذلك تحدي الأعراف الدبلوماسية أو السيادة الإقليمية لدول حليفة.

تاريخياً، لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تبدي فيها الولايات المتحدة اهتماماً بغرينلاند. ففي عام 1946، عرض الرئيس هاري ترومان شراء الجزيرة من الدنمارك مقابل 100 مليون دولار، وذلك بعد أن لعبت دوراً حيوياً في الحرب العالمية الثانية كقاعدة جوية بحرية. تكمن الأهمية الجيوسياسية لغرينلاند في موقعها الاستراتيجي في القطب الشمالي، والذي أصبح محط أنظار القوى الكبرى بسبب ذوبان الجليد الذي يفتح ممرات ملاحية جديدة ويسهل الوصول إلى موارد طبيعية هائلة غير مستغلة. هذا الاهتمام يتزايد في ظل التنافس المتصاعد بين الولايات المتحدة وروسيا والصين على النفوذ في المنطقة القطبية، مما يجعل السيطرة على غرينلاند ورصدها أمراً حيوياً للأمن القومي الأمريكي.

على صعيد آخر، تصاعد التوتر بين ترمب والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، حيث رد ترمب على رفض ماكرون دعوته للمشاركة في “مجلس سلام غزة” بتصريحات حادة، قائلاً: “لا أحد يهتم به لأنه سيغادر منصبه قريباً”. هذا الهجوم اللفظي يعكس نمطاً من الدبلوماسية المباشرة التي اتبعها ترمب خلال فترة رئاسته، والتي غالباً ما كانت تتجاوز البروتوكولات الدبلوماسية التقليدية.

وكان مصدر مقرب من الرئاسة الفرنسية قد أكد أن باريس لا تنوي الانضمام حالياً إلى هذا المجلس، معتبراً أنه “يتجاوز إطار غزة ويطرح أسئلة حول قضايا رئيسية خصوصاً لناحية احترام مبادئ وتركيبة الأمم المتحدة التي لا يمكن المسّ بها في أي حال من الأحوال”. هذا الموقف الفرنسي يبرز التزام باريس بالعمل متعدد الأطراف ودعم المؤسسات الدولية القائمة، مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن، كأطر أساسية لحل النزاعات الدولية، بدلاً من إنشاء كيانات موازية قد تقوض سلطتها وشرعيتها.

وفي تصعيد لافت، كشف الرئيس الأمريكي السابق أنه سيفرض رسوماً جمركية بنسبة 200% على النبيذ والشمبانيا الفرنسية إذا رفض ماكرون الانضمام إلى مجلس السلام المقترح. يمثل هذا التهديد بالرسوم الجمركية أداة ضغط اقتصادية استخدمها ترمب مراراً خلال ولايته الرئاسية، مستهدفاً قطاعات حيوية في اقتصادات الدول التي يختلف معها، كما حدث في حروبه التجارية مع الصين والاتحاد الأوروبي. من شأن مثل هذه الرسوم أن تلحق ضرراً كبيراً بقطاع صناعة النبيذ والشمبانيا الفرنسي، وهو قطاع حيوي للاقتصاد الفرنسي ورمز ثقافي للبلاد، مما قد يؤدي إلى تصعيد التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بشكل عام.

كما أعلن ترمب أنه وجه دعوة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للمشاركة في هذا المجلس، وهو ما يثير تخوفات العديد من الدول الغربية من أن تتوسع صلاحياته بشكل ينافس الأمم المتحدة أو مجلس الأمن الدولي. إن دعوة بوتين، في ظل التوترات الجيوسياسية العالمية الحالية، تزيد من تعقيد المشهد وتثير تساؤلات حول الأهداف الحقيقية للمجلس ومدى قدرته على تحقيق سلام مستدام في غزة دون دعم دولي واسع وتوافق على آليات العمل.

وفيما يتعلق بغرينلاند، دعا وزير الدفاع الدنماركي ترولز لوند بولسن حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى القيام بالمزيد فيما يتعلق بالقطب الشمالي، في الوقت الذي يسعى فيه الرئيس ترمب للاستحواذ على الجزيرة، بدعوى أن سيطرته عليها ضرورية للاحتياجات الأمنية للولايات المتحدة. يعارض حلفاء واشنطن الأوروبيون في الناتو، ومن بينهم الدنمارك، هذا الأمر بشدة، مؤكدين على سيادة الدنمارك على غرينلاند ورفض الجزيرة نفسها لأي محاولة بيع أو ضم. غرينلاند، التي تتمتع بحكم ذاتي واسع، هي جزء لا يتجزأ من أراضي الدنمارك، وقد أكدت مراراً، بسكانها الذين يقل عددهم عن 57 ألف نسمة، أنها لا ترغب في أن تصبح جزءاً من الولايات المتحدة. هذه القضية تسلط الضوء على التحديات التي تواجه التحالفات الغربية التقليدية في ظل تباين الرؤى حول الأمن القومي والسيادة.

spot_imgspot_img