يُسدل الستار على إحدى أبرز الفعاليات الثقافية في العالم العربي، معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي يُعد منارة للأدب والفكر، ومنصة رئيسية لإطلاق أحدث الإبداعات. وفي دورته الحالية، يتألق اسم الشاعر والكاتب الصحفي المصري محمد حميدة بإصداره الجديد، ديوان «معجم الجنة»، الذي صدر عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام، ليثري المشهد الشعري المصري والعربي.
يضم الديوان 39 قصيدة مكتوبة بالعامية المصرية، ويُعتبر هذا الإصدار الخامس في مسيرة حميدة الأدبية الحافلة، التي تشمل دواوين شعرية سابقة مثل «توب الوطن منقوش بدم الحور» (2011) و«ليل بيحلم بالونس» (2016)، بالإضافة إلى كتاب بحثي «القتل المُقدَّس» (2015)، وكتاب «القاهرة / مراكش – رحلة صحفية إلى جبال الأطلس» (2025). ويُنتظر أن يطرح حميدة روايته الأولى قريبًا، مما يؤكد تنوع موهبته وقدرته على التجريب في ألوان أدبية مختلفة.
حظي ديوان «معجم الجنة» بترحيب نقدي واسع، حيث أشاد به الناقد الفني الدكتور رحاب الدين الهواري، واصفًا العامية المستخدمة فيه بأنها «راقية» تقترب من الفصحى في تراكيبها، مع احتفاظها بدفء اللسان المصري الأصيل. استهل الشاعر قصائده بثنائية «الكتاب/المعجم»، كما في عبارة «كان الكتاب بيميني»، ليضفي قدسية على حالة الحب التي يتناولها، وكأنها منهج حياة. يجمع الديوان ببراعة بين رومانسية حالمة ورمزية صوفية عميقة، خالقًا عالمًا موازيًا يحلق بين الأرض والسماء، ويعكس تجربة شعورية فريدة.
وأشار الدكتور الهواري إلى اعتماد الشاعر على «موسيقى داخلية» هادئة لا تلتزم بقافية حادة، مما يمنح القصائد طابع «الفضفضة» الشعورية الصادقة. وقد نجح حميدة في اختصار قصص كاملة ضمن نصوصه، التي بدت سردية في أغلبها، مستخدمًا مفردات تعبر عن مراحل التجربة الإنسانية مثل (البداية، الحلم، التحدي، القلق، ثم الاستسلام والخضوع للجمال). كما يبرز الديوان قدرة الشاعر الفائقة على تطويع مفردات الطبيعة كـ(الشجر، الثمر، الجذع) لتكون مرآة للمشاعر الإنسانية، مقدمًا طرحًا فلسفيًا عميقًا للحب.
يتميز الديوان بغناه بالصور البصرية الحية، مع أنسنة الجماد، حيث تتجسد الشوارع والأبواب بمشاعرها وحركتها، وتتسع الأرض في خيال المحبين بعد أن كانت تضيق في الواقع. ومن الأمثلة البارزة على ذلك، استهلال «كل الشوارع في الشتا بتميل على كتف الحيطان»، الذي يصف حالة من «الاحتياج للدفء» والسند، ويعكس إحساس الشارع بالوحدة، في تكثيف راق يلخص حالة الانتظار خلف الأبواب المغلقة.
ولم يغفل حميدة في «معجم الجنة» تناول الوجع وأسئلة الوجود، التي تشكل «مورال» الصورة السينمائية في نصوصه. فعبارة «عيال حارتنا ما بيناموش» تثير تساؤلات حول أرق الأطفال، هل هو شقاوة أم أرق الجوع والبرد؟ وتتجسد الأسئلة الوجودية، المستوحاة من فلسفة «كيركجارد»، في نصوص مثل «وإزاي ينام ليل الشتا ف حضن العيال العريانين»، لتصل إلى ذروة الوجع، مقدمة صورة البطل الأرسطي الذي يثير مشاعر الخوف والشفقة والألم في القارئ.
يُعد معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي يستقطب ملايين الزوار سنويًا، منصة حيوية لتقديم الأعمال الأدبية الجديدة، ويساهم بشكل كبير في إثراء الحراك الثقافي. إن إطلاق ديوان «معجم الجنة» في هذا المحفل يعزز من مكانة الشعر العامي المصري، ويفتح آفاقًا جديدة للنقاش حول العلاقة بين العامية والفصحى في الأدب، ويؤكد على استمرارية الإبداع الشعري في مصر، وتأثيره ليس فقط على المستوى المحلي بل ويمتد ليشمل المنطقة العربية بأسرها، كجزء من القوة الناعمة للثقافة المصرية.
بهذا الإصدار الجديد، يضيف محمد حميدة لبنة أخرى إلى صرح الأدب المصري المعاصر، مقدمًا تجربة شعرية فريدة تدعو إلى التأمل في الحب والوجود والوجع الإنساني، وتؤكد على مكانته كصوت شعري مميز يستحق المتابعة.


