في خطوة تاريخية تعكس التزام المملكة العربية السعودية بتعزيز مكانتها كمركز مالي عالمي، تستعد السوق المالية السعودية (تداول) لفتح أبوابها بالكامل أمام جميع فئات المستثمرين الأجانب اعتبارًا من يوم الأحد الموافق 1 فبراير 2026. يمثل هذا القرار تحولًا تنظيميًا جذريًا، حيث سيمكن المستثمرين الأجانب غير المقيمين من الاستثمار المباشر في السوق الرئيسية دون قيود تأهيل مسبقة، مما يمهد الطريق لتدفقات رأسمالية ضخمة ويعزز عمق وسيولة السوق.
خلفية تاريخية وتطور السوق المالية السعودية
لم يكن هذا الانفتاح وليد اللحظة، بل هو تتويج لسلسلة من الإصلاحات التدريجية التي تبنتها هيئة السوق المالية على مدى السنوات الماضية. ففي السابق، كانت السوق السعودية تفرض قيودًا صارمة على ملكية الأجانب، حيث كان الاستثمار المباشر مقتصرًا على فئات محدودة جدًا، بينما كان على المستثمرين الأجانب الآخرين اللجوء إلى اتفاقيات المبادلة (Swaps) للحصول على المنافع الاقتصادية للأسهم دون امتلاكها بشكل مباشر. في عام 2015، أطلقت الهيئة إطار “المستثمر الأجنبي المؤهل” (QFI) كخطوة أولى نحو التحرير، مما سمح للمؤسسات المالية الكبرى بالدخول المباشر بعد استيفاء شروط معينة. وقد تبع ذلك تسهيلات إضافية في يوليو 2025 لتوسيع قاعدة المستثمرين المؤهلين وتبسيط إجراءات فتح الحسابات الاستثمارية، مما مهد الطريق لهذا الانفتاح الشامل.
أهمية القرار وتأثيره الاقتصادي
يهدف هذا التعديل التنظيمي الطموح إلى تحقيق عدة أهداف استراتيجية تتماشى مع رؤية المملكة 2030. أولاً، يسعى إلى توسيع وتنويع قاعدة المستثمرين في السوق المالية، مما يقلل من الاعتماد على المستثمرين المحليين ويزيد من جاذبية السوق لرؤوس الأموال العالمية. ثانيًا، من المتوقع أن يؤدي هذا الانفتاح إلى دعم تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية بشكل كبير، مما يعزز مستويات السيولة والعمق في السوق، ويجعلها أكثر كفاءة واستقرارًا. هذا بدوره سيساهم في تمويل المشاريع التنموية الكبرى ودعم نمو الشركات المدرجة.
على الصعيد المحلي، سيساهم القرار في تعزيز التنافسية بين الشركات المدرجة، وتحسين مستويات الحوكمة والشفافية، حيث يتطلب المستثمرون الأجانب معايير عالية في هذه الجوانب. كما أنه سيعزز مكانة الرياض كمركز مالي إقليمي ودولي رائد، مما يجذب المزيد من المؤسسات المالية العالمية للعمل في المملكة. إقليميًا، يعزز هذا التحرك من ريادة السوق السعودية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ويجعلها وجهة مفضلة للاستثمار في المنطقة.
أما على الصعيد الدولي، فإن إلغاء مفهوم “المستثمر الأجنبي المؤهل” وإنهاء العمل باتفاقيات المبادلة يزيل حواجز رئيسية كانت تعيق دخول المستثمرين العالميين. هذا التحرير الكامل سيسهم في رفع تصنيف السوق السعودية في المؤشرات العالمية للأسواق الناشئة، مثل مؤشرات MSCI و FTSE Russell، مما يجذب استثمارات سلبية (Passive Investments) من الصناديق التي تتبع هذه المؤشرات. هذا بدوره يعزز هدف المملكة بجعل السوق المالية السعودية ضمن أفضل 10 أسواق مالية عالميًا.
توقعات إيجابية لتدفقات رأسمالية إضافية
وفقًا لبيانات هيئة السوق المالية، بلغت ملكية المستثمرين الدوليين في السوق المالية السعودية بنهاية الربع الثالث من عام 2025 أكثر من 590 مليار ريال سعودي، فيما سجلت الاستثمارات الدولية في السوق الرئيسية نحو 519 مليار ريال، مقارنة بـ498 مليار ريال بنهاية عام 2024. هذه الأرقام تعكس الاهتمام المتزايد من المستثمرين الأجانب حتى قبل هذا الانفتاح الكامل. ومع التعديلات الجديدة، من المتوقع أن تشهد السوق تدفقات أجنبية إضافية كبيرة خلال الفترة القادمة، مما يعزز من مكانتها ويساهم في تحقيق أهداف رؤية 2030 الطموحة.


