spot_img

ذات صلة

وفاة سعيد السريحي: خسارة كبيرة للفكر والثقافة السعودية

غيب الموت الناقد والمفكر السعودي البارز، الدكتور سعيد السريحي، بعد صراع مع المرض، تاركاً خلفه إرثاً ثقافياً وفكرياً كبيراً أثرى المشهد الأدبي والصحفي في المملكة العربية السعودية والوطن العربي. وقد أُعلن عن وفاته بعد تعرضه لنزيف في الدماغ في أكتوبر الماضي، ودخوله العناية المركزة، لتطوي بذلك صفحة من صفحات العطاء الفكري التنويري.

مسيرة حافلة بالعطاء الفكري والأدبي

وُلد الفقيد في حي الرويس بمدينة جدة عام ١٣٧٣ هـ (1954 م)، وشكلت جدة منطلقاً لمسيرته التعليمية والمهنية. بعد إتمامه تعليمه العام، التحق بجامعة أم القرى في مكة المكرمة، حيث نال شهاداته الجامعية والعليا في اللغة العربية. امتدت مسيرته المهنية على مدى عقود، حيث عمل في حقل التعليم لمدة عشرين عاماً، منها ثمانية عشر عاماً في جامعة أم القرى، قبل أن ينتقل إلى ميدان الصحافة الذي قضى فيه قرابة ثلاثة عقود، ليصبح أحد أبرز الأسماء في جريدة «عكاظ».

في «عكاظ»، لم يكن السريحي مجرد كاتب، بل كان قائداً فكرياً، حيث أشرف على أقسام حيوية كالثقافي والشؤون المحلية والدولية، وتدرج في المناصب حتى عمل مساعداً لرئيس التحرير ونائباً مكلفاً له. وبعد تقاعده الرسمي عام ١٤٣٣ هـ، واصل عطاءه من خلال زاويته اليومية الشهيرة ((ولكم الرأي))، التي كانت منبراً لطرحه النقدي الجريء وأفكاره التنويرية.

السياق الثقافي ودور السريحي التنويري

برز اسم سعيد السريحي في فترة حاسمة من تاريخ المملكة الثقافي، تزامنت مع تحولات فكرية واجتماعية كبرى. لقد كان صوتاً نقدياً رائداً، خاصة في تناوله لخطاب الصحوة الإسلامية وتأثيراته على المجتمع. لم يتردد في تفكيك الآليات الخطابية التي سعت لفرض رؤية أحادية، ودعا عبر كتاباته ومحاضراته إلى العقلانية والنقد وإعادة قراءة الموروث. وتعتبر مؤلفاته مثل “حجاب العادة: أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة” و”غواية الاسم: سيرة القهوة وخطاب التحريم” أمثلة بارزة على منهجه النقدي الذي يغوص في عمق البنى الثقافية والاجتماعية لتفكيكها وتحليلها.

تأثير محلي وإقليمي واسع

لم يقتصر تأثير السريحي على الساحة المحلية، بل امتد إلى المحيط العربي. فقد كان عضواً فاعلاً في المشهد الثقافي من خلال عضويته السابقة في مجلس إدارة نادي جدة الأدبي، وإشرافه على جماعة ((حلقة جدة النقدية))، ورئاسته لتحرير مجلة ((علامات)) النقدية الرصينة. كما كان محاضراً مطلوباً في العواصم العربية من بغداد والقاهرة إلى الرباط وباريس، ومشاركاً في تحكيم جوائز أدبية مرموقة، مما يعكس مكانته كقامة فكرية عربية. إن رحيله لا يمثل خسارة للمملكة فحسب، بل للعالم العربي الذي يفقد قلماً حراً وعقلاً نقدياً شجاعاً، قادراً على إثارة الأسئلة الصعبة وفتح آفاق جديدة للنقاش.

إرث من المؤلفات الرائدة

ترك الدكتور سعيد السريحي مكتبة غنية من المؤلفات التي ستظل مرجعاً للباحثين والنقاد، ومن أبرزها:

  • شعر أبي تمام بين النقد القديم ورؤية النقد الجديد.
  • الكتابة خارج الأقواس: دراسات في الشعر والسرد.
  • تقليب الحطب على النار: دراسات في السرد.
  • حركة اللغة الشعرية: مدخل لقراءة شعر المحدثين في العصر العباسي.

لقد عاش السريحي حياته “خارج الأقواس” كما عنون سيرته، متجاوزاً المألوف ومكرساً حياته لمشروع ثقافي تنويري، وسيظل إرثه شاهداً على مسيرة مفكر لم يتوقف عن طرح الأسئلة من أجل مجتمع أكثر وعياً وانفتاحاً.

spot_imgspot_img