شهدت أسعار النفط الخام استقراراً ملحوظاً اليوم، حيث حافظ سعر خام برنت القياسي على مستوياته عند 67.78 دولار للبرميل. يأتي هذا الاستقرار في ظل ترقب الأسواق للتطورات الجيوسياسية والاقتصادية التي تلقي بظلالها على مستقبل إمدادات النفط العالمية والطلب عليه. فبينما يوازن المستثمرون بين الآثار المحتملة للمحادثات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران، والتي تهدف إلى تخفيف التوترات، وبين التوقعات بزيادة محتملة في الإمدادات من تحالف “أوبك+”، تظل أسعار النفط في حالة من الترقب الحذر.
ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 3 سنتات لتصل إلى 67.78 دولار للبرميل، بينما زاد خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي (WTI) بسنتين. تجدر الإشارة إلى أن تداول خام غرب تكساس الوسيط لم يتم اليوم بسبب عطلة رسمية في الولايات المتحدة، مما قد يفسر جزئياً محدودية الحركة في الأسعار. هذا الاستقرار يأتي بعد أسبوع شهد تراجعاً لكلا المؤشرين، حيث انخفض برنت بنحو 0.5% وخسر خام غرب تكساس الوسيط 1% من قيمته الأسبوع الماضي.
خلفية المحادثات الأمريكية الإيرانية وتأثيرها على السوق
تُعد المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران عاملاً محورياً في تحديد مسار أسعار النفط. فمنذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني عام 2018 وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية، تراجعت صادرات النفط الإيرانية بشكل كبير. أي تقارب محتمل بين واشنطن وطهران، كما ألمح الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في تصريحات سابقة حول إمكانية التوصل إلى اتفاق خلال الشهر القادم، يمكن أن يؤدي إلى رفع هذه العقوبات جزئياً أو كلياً. وفي حال حدوث ذلك، ستتمكن إيران من ضخ كميات أكبر من نفطها إلى الأسواق العالمية، مما سيزيد من المعروض ويضغط على الأسعار نحو الانخفاض. هذا السيناريو يثير قلق الدول المنتجة الأخرى التي تسعى للحفاظ على استقرار الأسعار من خلال إدارة مستويات الإنتاج.
دور تحالف “أوبك+” في استقرار السوق
يلعب تحالف “أوبك+”، الذي يضم منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) وحلفاءها من خارج المنظمة مثل روسيا، دوراً حاسماً في استقرار أسواق النفط العالمية. يهدف التحالف إلى موازنة العرض والطلب من خلال اتفاقيات خفض أو زيادة الإنتاج. التوقعات بزيادة محتملة في إمدادات “أوبك+” تشير إلى أن التحالف قد يرى أن السوق قادر على استيعاب كميات إضافية من النفط، أو أنه يسعى للاستجابة لزيادة متوقعة في الطلب العالمي مع تعافي الاقتصادات من تداعيات الأزمات الأخيرة. ومع ذلك، فإن أي زيادة في الإنتاج يجب أن تكون مدروسة بعناية لتجنب إغراق السوق والتسبب في تراجع حاد للأسعار، وهو ما حدث في فترات سابقة.
المخاطر الجيوسياسية وأثرها على أسعار النفط
أشار محلل السوق توني سيكامور من “آي.جي” إلى أن السوق استجاب بشكل جيد لتقارير المحادثات، مؤكداً أن “لولا علاوة المخاطر الجيوسياسية أو ذلك الدعم، لكان سعر النفط الخام أقل من 60 دولاراً هذا الصباح”. تُعد المخاطر الجيوسياسية، مثل التوترات في منطقة الشرق الأوسط، الصراعات الإقليمية، أو الاضطرابات السياسية في الدول المنتجة للنفط، من أهم العوامل التي ترفع أسعار النفط. هذه المخاطر تخلق حالة من عدم اليقين بشأن استمرارية الإمدادات، مما يدفع الأسعار للارتفاع مع تزايد مخاوف المستثمرين من نقص محتمل في المعروض. على سبيل المثال، أي تصعيد في مضيق هرمز، وهو ممر ملاحي حيوي لنقل النفط، يمكن أن يؤدي إلى قفزات حادة في الأسعار.
تأثير استقرار أسعار النفط على الاقتصاد العالمي
لاستقرار أسعار النفط أهمية بالغة للاقتصاد العالمي. فبالنسبة للدول المستوردة للنفط، يعني الاستقرار تكاليف طاقة يمكن التنبؤ بها، مما يدعم النمو الاقتصادي ويقلل من الضغوط التضخمية. أما بالنسبة للدول المنتجة، فيوفر الاستقرار إيرادات ثابتة تمكنها من التخطيط لميزانياتها وتنفيذ مشاريع التنمية. التقلبات الحادة، سواء بالارتفاع أو الانخفاض، يمكن أن تزعزع الاستقرار الاقتصادي العالمي، حيث تؤثر الأسعار المرتفعة سلباً على المستهلكين والصناعات، بينما تضر الأسعار المنخفضة بإيرادات الدول المنتجة وتؤثر على استثماراتها في قطاع الطاقة. لذا، فإن حالة الاستقرار الحالية، وإن كانت محدودة، تُعد مؤشراً إيجابياً للأسواق العالمية.


